ساحة التنافس.. كيف عززت الاستثمارات النفوذ الإيطالي في أفريقيا؟
الاستثمارات في مجال الطاقة دفعت إيطاليا لتكون أحد الفاعلين الكبار على الساحة الأفريقية.
وجدت إيطاليا ضالتها المنشودة في السوق الأفريقية الواعدة لتغدو، خلال السنوات القليلة الماضية، أحد أكبر المستثمرين في أفريقيا.
وهناك عاملان رئيسيان قد يفسران هذا التوجه الإيطالي نحو توطئة نفوذها "الناعم" عبر المساعدات والاستثمارات؛ أولهما أن السوق الأفريقية تمثل فرصة سانحة أمام صادرات واستثمارات الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكِّل دعامة أساسية للاقتصاد الإيطالي؛ إذ يعمل بها قرابة الـ81% من القوة العاملة، وتسهم بحوالي 68.1% من القيمة المضافة لاقتصاد الدولة.
ومن ثم ليس ثمة ما يدعو للاندهاش إذا طالعنا بعض التقديرات التي تشير إلى نسبة الشركات الإيطالية الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل حوالي 97% من إجمالي الشركات الإيطالية العاملة في القارة الأفريقية. أما العامل الثاني الذي يشكل حافزاً لتدفق الاستثمارات الإيطالية إلى أفريقيا، فيتمحور حول مقاربة الربح للجميع win- win approach التي يروج لها المستثمر الإيطالي، شأنه في ذلك شأن المستثمر الصيني.
ففي الوقت الذي تحقق فيه الشركات الإيطالية مستويات عالية من الربحية، تعود تلك الاستثمارات بالنفع أيضاً على المجتمعات المحلية الأفريقية، أو بمعنى آخر، محاولة إيطاليا احتواء معدلات الهجرة غير النظامية المتفاقمة عن طريق زيادة الاستثمارات التي تخلق فرص عمل جديدة للشباب الأفريقي، خصوصاً في الدول المصدرة للمهاجرين غير النظاميين في الشمال الأفريقي وفي أفريقيا جنوب الصحراء وتحديداً دول القرن الأفريقي وأبرزها إثيوبيا، والصومال، وإريتريا؛ حيث تنشط الأداة الدبلوماسية الإيطالية، جنباً إلى جنب مع الأداة الاقتصادية، لتسوية هذا الملف.
وفي هذا السياق، سلط مقال نُشر على موقع The Africa Report تحت عنوان "إيطاليا تنضم إلى اللاعبين الكبار على الساحة الأفريقية" الضوء على تنامي معدلات الاستثمارات الإيطالية في أفريقيا في العديد من القطاعات، لا سيما قطاع الطاقة، مما قاد إلى توطئة النفوذ الإيطالي في القارة، لتغدو روما أحد أبرز القوى الفاعلة ليس فقط في الشمال الأفريقي، وإنما في إقليم أفريقيا جنوب الصحراء SSA أيضاً.
- السيسي يبحث مع شركة "إيني" اكتشافات الغاز والبترول في مصر
- إيني تقترب من الاستحواذ على 42.5% في عقد لـ"بي.بي" بليبيا
الاستثمارات الإيطالية في أفريقيا: أرقام ومؤشرات
أوضح المقال أن عدداً كبيراً من الشركات الإيطالية قد اتجه خلال السنوات القليلة الماضية للاستثمار في القارة الأفريقية في مختلف المجالات، مما أهَّل إيطاليا لتكون واحدة من أهم القوى الفاعلة على الساحة الأفريقية مؤخراً.
ووفقاً لإحصائيات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (United Nations Conference on Trade and Development) (UNCTAD)، ارتفعت الاستثمارات الأجنبية المباشرة القادمة من إيطاليا نحو القارة الأفريقية، لتصل إلى 28 مليار دولار في عام 2018، مما جعل إيطاليا سادس أكبر مستثمر في أفريقيا على المستوى الدولي، بعد كلٍ من فرنسا، وهولندا، والولايات المتحدة، وبريطانيا، والصين على الترتيب.
ورغم أن البعض قد ينصرف ذهنه مباشرة إلى دول الشمال الأفريقي، باعتبارها وجهة الاستثمارات الإيطالية في القارة السمراء، نظراً لاعتبارات التقارب الجغرافي، إلا أن لغة الأرقام كان لها حديث آخر؛ ذلك لأنه بالنظر إلى الدول التي تحظى بأكبر نسبة للاستثمارات الإيطالية المباشرة، سنجد أنها دولة جنوب أفريقيا، التي تلقت ما يناهز الـ4.5 مليار دولار من إجمالي استثمارات إيطاليا في القارة في عام 2018، وتليها نيجيريا التي تلقَّت حوالي 1.3 مليار دولار، وتنتمي الدولتان لإقليم أفريقيا جنوب الصحراء SSA.
ومن هنا اعتبر المقال أن السياسة الخارجية الإيطالية تتسم بالرشادة في توزيع الاهتمام وتوجيه الاستثمارات، لا سيما الاستثمارات في مجال الطاقة بين الشمال والجنوب الأفريقي، مما وضعها بقوة على خارطة نفوذ القوى الكبرى في القارة الأفريقية.
"إيني" تقود قاطرة الاستثمارات الإيطالية
ساهمت مجموعة "إيني" النفطية الإيطالية العملاقة في تعزيز نفوذ روما على الساحة الأفريقية؛ فليس ثمة شركة إيطالية تضاهي "إيني" في حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الموجَّهة إلى القارة، وعن طريق الاستثمارات التي تقودها إيني في مجال النفط والغاز في أفريقيا، لا سيما بعد اكتشاف حقل ظُهر، الذي اعتبر أكبر اكتشاف للغاز الطبيعي في مصر والبحر المتوسط، حققت المجموعة مكانة متميزة في مجال التنقيب عن الغاز على الساحة الدولية.
وبالنسبة لإنتاج واحتياطات شركة إيني على المستوى الدولي، نجد أن قرابة نصف إنتاج الشركة وحوالي 60% من احتياطاتها توجد في نحو 14 دولة أفريقية. ويعد فرع الشركة في غانا (Offshore Cape Three Points) (OCTP) أحد أبرز الفروع التي أسهمت في ترسيخ مكانة الشركة الإيطالية على الساحة الأفريقية.
واستكمالًا للاكتشافات التاريخية للنفط والغاز في القارة السمراء، أعلن الفرع النيجيري لمجموعة "إيني" Nigerian AGIP Oil Company مطلع أغسطس/آب المنصرم، اكتشاف حقل مهم للنفط والغاز في دلتا النيجر في جنوب نيجيريا، ويضم هذا الحقل ألف مليار قدم مكعبة من الغاز و60 مليون برميل من النفط.
ويُنْظر إلى الطاقة، على اختلاف ضروبها، باعتبارها المجال الأكثر جذباً للاستثمارات الإيطالية في أفريقيا، ولا يقتصر الأمر على ما سلفت الإشارة إليه من استثمارات في مجال النفط والغاز فحسب، إذ إن الشركات الإيطالية تولي أهمية للاستثمارات في مجال الطاقة المتجددة أيضًا؛ فهناك شركة Enel Green Power، التي لها باع طويل في عدد من الدول الأفريقية، لعل من بينها جنوب أفريقيا، وزامبيا، وإثيوبيا، وكينيا، والمغرب، في استخدام المصادر الطبيعية كالرياح والمياه وغيرهما لإنتاج الطاقة النظيفة.
وفي مجال الطاقة الكهربائية، نجد عملاق إيطالي آخر يستحوذ على نسبة كبيرة من الاستثمارات في مجال بناء محطات وشبكات نقل الكهرباء ذات الجهد العالي عبر أقاليم القارة الأفريقية، ألا وهي شركة Terna، ويعتبر مشروع الربط الكهربي بين تونس وصقلية في إيطاليا، الذي تشرف عليه الشركة الإيطالية بالتعاون مع الشركة التونسية للكهرباء والغاز، أحد أضخم مشروعات شركة Terna وأبعدها صيتاً. ويستهدف هذا المشروع الضخم، الذي من المقرر بدء تشغيله اعتباراً من 2025، تدشين خط بحري عالي الجهد بقوة 600 ميجاوات بين الدولتين.
وجدير بالذكر أن هذا المشروع تبلغ تكلفته الإجمالية حوالي 600 مليون يورو، ستمولها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، بالشراكة مع شركة Terna الإيطالية. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أدرج الاتحاد الأوروبي مشروع الربط الكهربي في قائمته للدعم بمنحة قيمتها 300 مليون يورو.
وفيما يخص الاستثمارات الإيطالية في مجال الطاقة الكهرومائية، هناك شركة Salini Impregilo التي تعمل في أكثر من 50 دولة على مستوى العالم. وقد نفذت الشركة الكثير من محطات توليد الطاقة الكهرومائية في القارة الأفريقية على مدار العقود السبعة الماضية، مما عزز من مكانتها في هذا المجال على الساحة الأفريقية.
وختاماً، انتهى المقال إلى القول إن الاستثمارات في مجال الطاقة دفعت إيطاليا لتكون أحد الفاعلين الكبار على الساحة الأفريقية، التي لطالما كانت ساحة لتنافس القوى الكبرى التقليدية ومع الألفية الجديدة تحول النفوذ إلى شكل جديد يغلب عليه الطابع الاقتصادي والثقافي.
وإمعاناً في توطئة النفوذ الاقتصادي الإيطالي في القارة، وبالتزامن مع تحولات السوق العالمية لتغدو دول القارة الأفريقية أكثر الوجهات الجاذبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة والمحققة لمستويات عالية من الربحية، نتبين وجود شركات إيطالية كانت تتجه لتصدير منتجاتها، بشكل حصري، للدول الأوروبية مثل شركة Ferrero، التي تنتج أحد أشهر المنتجات العالمية النيوتيلا، وهي سلعة ترتبط بمستويات معيشية أعلى أو ما يُطلق عليه سلع الرفاه، لكن الوضع الراهن قد تبدل كثيراً؛ إذ افتتحت هذه الشركة وغيرها فروعاً في غالبية الدول الأفريقية لاسيما جنوب أفريقيا والكاميرون.
ورغم أن الشركات المتمركزة في الجنوب الإيطالي، بحكم التقارب الجغرافي، كانت تصدر منتجاتها لدول القارة الأفريقية، إلا أنه في الآونة الأخيرة دخلت شركات الشمال الإيطالي، كالشركات العاملة في إقليم فينيتو على سبيل المثال، على الخط أيضاً. ومن هنا، يمكن القول إن القارة الأفريقية سواء الشمال أو الجنوب الأفريقي أصبحت وجهة جاذبة لاستثمارات الشركات الإيطالية، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة.