بين القصر و«الصقور» في إيران.. معركة كسر عظام
بينما كان مسعود بزشكيان يقدم اعتذاره لدول عربية على خلفية الاعتداءات الإيرانية عليها، كانت الصواريخ تستمر بالتدفق نحو نفس الأهداف.
وما بين اعتذار الرئيس الإيراني والتطورات الميدانية حلقة مفقودة بدا من الواضح أن ملامحها تُضبط بعيدا عن القصر الرئاسي.
والسبت، توجه بزشكيان إلى دول الخليج والأردن التي تعرضت لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات منذ اندلاع الحرب، قائلا "أعتذر باسمي وباسم إيران للدول المجاورة التي هاجمتها إيران".
وأكد أنه لن يتم بعد الآن استهداف هذه الدول ما لم تتعرض إيران لهجمات انطلاقا من أراضيها.
وفي حديثه عن تعليق مشروط للاعتداءات، أشار إلى أن "مجلس القيادة المؤقت وافق أمس على عدم شن هجمات أو ضربات صاروخية بعد الآن على الدول المجاورة إلا إذا انطلق هجوم على إيران من تلك الدول".
لكن على الأرض، كانت المعطيات مختلفة بشكل كامل، حيث استمرت الاعتداءات التي تصدت لها الدول المستهدفة بكل بسالة، مقدمة نموذجا يحتذى به في ضبط النفس والتمسك بخيار الحوار والدبلوماسية لأقصى حد ممكن.
والدول المستهدفة عارضت منذ اللحظة الأولى الحرب على إيران وأعلنت أنها لن تسمح باستخدام أراضيها في ضرب طهران التي وجهت بلا مبرر ردها نحو جيرانها.
ومنذ السبت الماضي، تاريخ اندلاع الحرب، تواصل إيران استهداف مصالح أمريكية ومنشآت اقتصادية في دول الخليج بهجمات بالصواريخ والمسيرات، زاعمة أنها لا تستهدف هذه الدول، إنما القواعد الأمريكية فيها.
صراع عابر للأجنحة
يرى مراقبون أن استمرار الاعتداءات الإيرانية على دول عربية في الوقت الذي كان فيه بزشكيان يقدم اعتذاره لها يكشف بالواضح أن القرارات العسكرية باتت تتخذ حكرا في غرف الجناح المتشدد بالحرس الثوري.
كما أظهرت انفصال مؤسسات النظام عن بعضها البعض، ما ينم عن تضارب في المواقف والحسابات السياسية والعسكرية.
وللحرس الثوري نفوذ سياسي وامتدادات وحضور في معظم القطاعات بإيران منها الأمنية والاستخباراتية والصناعية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، ما يعني أنه عمليا يشكل محرك القرارات فيها على أكثر من صعيد.
وفي حياة المرشد علي خامنئي الذي قتل في اليوم الأول للحرب، كان الشق المتشدد بالحرس يتمتع بصلاحيات واسعة مقابل تحجيم لدور المعتدلين، لكن رمزية المرشد لطالما كانت طاغية ما يعني أن الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بالجوانب الأمنية تعود إليه.
تنظيميا، لا يعد الحرس جزءا من القوات المسلحة الإيرانية، وله قيادة مستقلة، ويتلقى أوامره من المرشد ويقدم له تقاريره مباشرة ودون وسيط.
وما تقدم يشي بأن المرشد كان يشكل نوعا ما درعا تفصل بين الجناح المتشدد بالحرس ورغبة الأخير في الاستيلاء على جميع الصلاحيات، وهذا ما يفسر حصول ما يعتبره خبراء «انفلاتا» بمقتل خامنئي.
وبمقتل المرشد، تسلم الحرس صلاحياته بلا سند قانوني، مستغلا حالة الفراغ وفوضى الحرب وصدمة الخسائر.
ولأنه «جيش عقائدي» كما سمته مؤسسه مرشد ثورة إيران الخميني، فقد سارع فور مقتل المرشد إلى رص صفوفه ضمن نطاق المتشددين أو «شق الصقور» كما يسمى، واعتمد استراتيجيات دفاعية لامركزية هدفها المعلن «الحفاظ على كيان الجمهورية الإسلامية».
لكن في الغرف المظلمة، تطغى حسابات أخرى على جميع التحركات، ففي الوقت الذي حاول فيه الحرس منح انطباع بأنه قادر على امتصاص الصدمات والتعامل معها، أظهرت الاعتداءات العشوائية على دول الخليج والأردن حالة الاضطراب القصوى التي يعيشها سواء تنظيميا أو عمليا.
فوبيا فقدان السيطرة
وسط التطورات المتشابكة والمعطيات المتداخلة، وفي وقت فتح فيه مقتل خامنئي صراعا على خلافته، يعارض الحرس أي انتقال للسلطة يفقده السيطرة، لأن هوية المرشد الجديد ستضبط صلاحياته إن كان بشكل إيجابي أو سلبي.
ولأن الجناح المعتدل بالحرس خارج معادلة القرار منذ حياة خامنئي، فإن الصقور يحاولون جاهدين الإبقاء على هذه المعادلة في الوقت الراهن، وذلك حتى يحتفظون بسيطرتهم على مجريات الأمور، وخصوصا تلك المتعلقة باختيار المرشد الجديد.
وينص القانون الإيراني على أن يتم اختيار المرشد «في أسرع وقت ممكن» تجنبا لمخاطر الفراغ في ظل الأوقات العصيبة التي تشهدها البلاد.
إلا أن عملية الاختيار تشوبها الضبابية بشأن آليات التوافق داخل المؤسسة، حيث كان ينظر إلى الرئيس السابق إبراهيم رئيسي كأحد أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، لكن مصرعه في حادث تحطم مروحية عام 2024 أعادت خلط الأوراق داخل معسكر المحافظين.
ومع أن هوية خليفة خامنئي لم تُحدد بعد، لكن الإشكال الكبير الذي يواجه النظام في إيران، وخصوصا الحرس، تبدو أكبر من ذلك، حيث بات بقاؤه على المحك في ظل ظروف داخلية وخارجية بالغة التعقيد.
ففي النهاية، يظل الحرس مجرد مؤسسة عسكرية يعتبرها كثر -بمَن فيهم إيرانيون- جيشا موازيا يخدم مصالح خاصة بعيدة عن الأمن القومي.
والمشهد الصعب هذا هو نفسه ما يفاقم من التباينات بين الإصلاحيين أو المعتدلين وبين المتشددين أو «الصقور»، ففيما ترى التيارات الإصلاحية أن الحل يكمن في تعزيز المؤسسية، يعارض الحرس أي انتقال للسلطة يهدد نفوذه.
خلافات واختلافات تخرج من رحم الزمن لتوسع الفجوة هذه المرة بين القصر وصقور الحرس، في معركة كسر عظام تأتي في وقت بالغ الحساسية وقد ترسم الفصل الأخير في وجود وسلطة أحد المعسكرين.
ذلك أن الصواريخ التي تدفقت السبت بالتزامن مع اعتذار بزشكيان لم تكن هذه المرة ضمن الرسائل الموجهة لأمريكا وإسرائيل، وإنما كانت تحذيرا ممهورا بالنار للرئيس نفسه.