سوابق تاريخية لإغلاق «هرمز».. كيف تصرف العالم؟
يظل مضيق هرمز "ورقة" مهمة في أيدي الإيرانيين في حربهم ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو قتال اعتدت فيه طهران أيضا على أراضٍ خليجية.
والمضيق يقع بين إيران شمالًا وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة جنوبًا، ويبلغ عرضه نحو 50 كيلومترًا عند المدخل والمخرج، ونحو 33 كيلومترًا عند أضيق نقطة، ويربط الخليج بالبحر العربي.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، تمنح جغرافية المضيق والمياه المحيطة به إيران أفضلية واضحة. فالساحل الجنوبي الطويل يتيح فرصًا واسعة للزوارق الصغيرة للانطلاق سريعًا وزرع الألغام. كما أن ممرات الشحن الضيقة تترك مجالًا محدودًا للمناورة.
ويبلغ عمق المياه عند أضيق نقطة في المضيق نحو 200 قدم فقط — وهو عمق ضحل بما يكفي لزرع حقول ألغام.. ومع ذلك فاليوم لا يشبه البارحة. فإذا كانت إيران قد عمدت في الماضي لزرع ألغام لإغلاق المضيق، فهي لا تحتاج لذلك اليوم.. فوفقا لتقرير الصحيفة، قد يؤدي زرع الألغام في المضيق إلى منع النفط الإيراني نفسه — والعائدات التي تشتد حاجة طهران إليها — من الخروج من الخليج.
ويعتقد محللو الشحن أنه في الأيام الأخيرة، كانت إيران تقوم بتحميل النفط وتصديره عبر المضيق، حيث تسمح لسفنها بالمرور في الوقت الذي تهدد فيه وتهاجم سفنًا أخرى. ومنذ الأول من مارس/ آذار، غادرت ما لا يقل عن 10 ناقلات نفط وغاز إيران وعبرت المضيق، وفقًا لبيانات شركة "لويدز ليست إنتليغنس"، المتخصصة في تحليل حركة الشحن البحري.
ووفقا للمراقبين، فإنه بدلا من الألغام، تبدو إيران وقد عمدت إلى أدوات أخرى. فمنذ اندلاع الحرب، تعرض ما لا يقل عن نحو اثنتي عشرة سفينة شحن وناقلة نفط لهجمات في الخليج والمضيق. وليس من الواضح تمامًا نوع الأسلحة التي استخدمتها، لكن الجيش الإيراني نشر خلال النزاع طيفًا واسعًا من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتشير تقارير إلى أن هذه الهجمات قد تشمل صواريخ مضادة للسفن تُطلق من البر، وطائرات مسيّرة انتحارية، بل وحتى زوارق مسيّرة مفخخة تُوجَّه للاصطدام بالسفن.
ويبدو التهديد الإيراني الشفهي للسفن التي تنوي عبور المضيق مؤلما مثل الخسائر الفعلية. فمجرد إعلان إيران عزمها منع السفن التابعة لأطراف الحرب من العبور، ارتفعت تكلفة تأمين السفن للعبور عبر المضيق بشكل كبير، ما جعلها باهظة إلى حدّ يصعب تحمّله.
وقد صرح الرئيس ترامب بأن الحكومة الأمريكية قد توفّر تغطية تأمينية بأسعار معقولة، إلا أن الخبراء يشككون في ذلك. وقد قدّر أحد المحللين أن التكلفة المحتملة قد تتجاوز 300 مليار دولار، بحسب تقرير نيويورك تايمز.
وإذا كانت إيران قد يبدو أنها استبعدت هذه المرة أسلوب زرع الألغام في المضيق، لتسمح لبعض السفن بالعبور وتمنع أخرى، فقد استخدمته بالفعل في السابق، كما هددت مرارا بإغلاق المضيق، دون أن تغلقه فعليا بعكس هذه المرة.
دروس الثمانينات
ووفقا لتقرير نشره موقع "سي إن إن"، فإنه خلال حرب دامية استمرت ثماني سنوات بين إيران والعراق في ثمانينيات القرن الماضي، هاجم الطرفان ناقلات النفط وسفنًا أخرى في مضيق هرمز ومحيطه. وباستخدام الألغام البحرية، قاما بتعطيل حركة الملاحة في بعض المناطق.
وبدأت جذور حرب الناقلات عام 1980 عندما شنّ الرئيس العراقي صدام حسين غزوًا لإيران، خوفًا من حكومتها الثورية بقيادة آية الله الخميني. وبعد سنوات من التقدم والتراجع بين الطرفين، وصلت الحرب إلى حالة جمود بحلول عام 1984، ما دفع العراق إلى تغيير تكتيكاته عبر استهداف ناقلات النفط الإيرانية لإضعاف اقتصاد طهران ودفع القوى العالمية للتدخل.
واستخدم العراق طائرات مسلحة بصواريخ لضرب منشآت النفط الإيرانية في جزيرة خرج، بينما ردت إيران بمهاجمة سفن تجارية محايدة كانت تنقل الإمدادات إلى العراق، خاصة عبر الكويت.
ومع تصاعد الهجمات، طلبت الكويت الحماية الدولية. بدأت أولًا بدعم سوفياتي، قبل أن تعيد الولايات المتحدة تسجيل ناقلات كويتية تحت العلم الأمريكي لتوفير الحماية لها. وبحلول 1987، بدأت عمليات مرافقة واسعة. لكن المخاطر ظهرت سريعًا. ففي مايو/أيار 1987، أصابت طائرة عراقية الفرقاطة الأمريكية "يو إس إس ستارك" بصاروخين، ما أسفر عن مقتل 37 من طاقمها. ورغم الاعتذار العراقي، كشف الحادث مدى خطورة الأخطاء في الحروب.
ثم بدأت عملية "إرنست ويل" لمرافقة الناقلات، لكنها تعرضت لإحراج كبير عندما اصطدمت ناقلة "بريدجتون" بلغم إيراني، بينما كانت السفن الأمريكية تسير خلفها، وكأنها تستخدمها ككاسحة ألغام.
لاحقًا، اصطدمت الفرقاطة "يو إس إس صموئيل بي روبرتس" بلغم كاد يشطرها نصفين عام 1988، ما دفع الولايات المتحدة لشن عملية "براينغ مانتيس"، وهي واحدة من أبرز معاركها البحرية، حيث دمرت منصات وسفنًا إيرانية.
ثمن للعقوبات
وقال تقرير نشره موقع "ستاف"، إنه في نهاية عام 2011 وبداية 2012، هددت إيران بإغلاق مضيق هرمز ردًا على عقوبات جديدة فرضها الغرب بسبب برنامجها النووي. فقد كان الاتحاد الأوروبي قد بدأ تنفيذ حظر على شراء النفط الإيراني، كما استهدفت الولايات المتحدة قطاع الطاقة الإيراني وفرضت قيودًا على التعاملات مع البنك المركزي الإيراني، ما دفع دولًا أخرى إلى تقليص وارداتها من النفط الإيراني.
لكن إيران تراجعت عن بعض هذه التهديدات، ولم تُقدم في النهاية على إغلاق المضيق. ومع ذلك، أدت حالة التوتر واضطرابات الإمدادات إلى تقلبات في أسعار النفط. فقد تم تداول خام برنت — المعيار العالمي — فوق 100 دولار للبرميل في ديسمبر/كانون الأول 2011 وخلال معظم عام 2012، وبلغ ذروته عند أكثر من 126 دولارًا للبرميل في مارس/آذار 2012، قبل أن ينخفض لاحقًا خلال العام.
وفي مايو/أيار 2018، وخلال ولايته الأولى، انسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق النووي الذي أُبرم في عهد سلفه باراك أوباما، وبدأ إعادة فرض العقوبات على إيران.
ورغم بعض الإعفاءات، تعهد ترامب بوقف صادرات النفط الإيرانية بالكامل. وردًا على ذلك، كرر الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني التهديد بإغلاق مضيق هرمز.
لكن مرة أخرى، لم تُقدم إيران على إغلاق المضيق. وعلى الرغم من التقلبات خلال العام، خاصة الضغوط على إنتاج دول أوبك، أنهى خام برنت العام عند نحو 54 دولارًا للبرميل، انخفاضًا من حوالي 75 دولارًا عندما أعلن ترامب قرار الانسحاب من الاتفاق.
وبين عامي ٢٠١٩ و2025، اتهمت البحرية الأمريكية إيران بالوقوف وراء سلسلة من الهجمات باستخدام ألغام لاصقة على سفن قرب المضيق مما ألحق أضرارًا بناقلات نفط، وكذلك هجوم بطائرة مسيّرة على ناقلة نفط مرتبطة بإسرائيل عام 2021. ونفت طهران تورطها في ذلك الوقت. ومع ذلك، أدت هذه التوترات إلى ارتفاع تكاليف التأمين وزيادة المخاوف لدى شركات الشحن.
وفي الوقت نفسه، احتجزت إيران عددًا من السفن في الممر المائي، من بينها ناقلات نفط أجنبية قالت إنها كانت تحمل وقودًا مهربًا، وذلك في نهاية العام الماضي، وفقًا لوسائل إعلام رسمية.
كما استولت على سفينة شحن ترفع العلم البرتغالي في عام 2024، واحتجزت ناقلتي نفط يونانيتين لعدة أشهر في عام 2022، إلى جانب عمليات احتجاز أخرى. ومع ذلك، ظل المضيق مفتوحًا طوال تلك الفترة.
وفي يونيو/حزيران من العام الماضي، تصاعدت المخاوف من احتمال إغلاق مضيق هرمز خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا بين إسرائيل وإيران، خاصة بعد دخول الولايات المتحدة على خط الصراع عبر قصف ثلاثة مواقع نووية وعسكرية إيرانية.
لكن إيران لم تغلق المضيق، ولم تشهد أسعار النفط ارتفاعات مستدامة. فبالرغم من ارتفاع الأسعار في الأيام الأولى من النزاع، شهد النفط عمليات بيع ملحوظة لاحقًا مع تشكك المتداولين في احتمال استهداف شحنات النفط. وبحلول نهاية الحرب، كان خام برنت يُتداول دون 67 دولارًا للبرميل، أي أقل ببضعة دولارات مقارنة بمستواه قبل اندلاعها.
أزمة هرمز 2026.. تصعيد وغموض
وتوعد ترامب أمس السبت "بتدمير" محطات الطاقة الكهربائية الإيرانية إذا لم تعد طهران فتح مضيق هرمز بالكامل في غضون 48 ساعة، وهو تصعيد كبير بعد يوم واحد فقط من حديثه عن "إنهاء" الحرب، التي دخلت أسبوعها الرابع.
وحذرت إيران اليوم الأحد من أنها ستستهدف البنية التحتية الأمريكية، ومنها منشآت طاقة في دول الخليج، إذا نفذ ترامب تهديده الذي أطلقه في وقت تواصل فيه قوات من مشاة البحرية الأمريكية وسفن الإنزال الثقيلة توجهها إلى المنطقة.
وقتل أكثر من ألفي شخص خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط، والتي قلبت الأسواق رأسا على عقب ورفعت أسعار الوقود وأججت المخاوف من التضخم في العالم.
وقال توني سيكامور محلل الأسواق في شركة آي.جي "وضع تهديد الرئيس ترامب قنبلة موقوتة مدتها 48 ساعة ليتزايد بها الغموض الذي يكتنف المشهد في الأسواق. إذا لم يتم التراجع عن هذا الإنذار، فمن المرجح أن نشهد حالة سقوط حر لأسواق الأسهم العالمية عند فتحها في يوم اثنين أسود، وارتفاعا حادا في أسعار النفط".
وأضاف أن طهران من المرجح أن تستهدف منشآت طاقة في الخليج، الأمر الذي "سيؤدي إلى تعميق وإطالة أمد المعاناة من ارتفاع أسعار الطاقة ودفع الصراع إلى أزمة أوسع في المنطقة".
وارتفعت أسعار النفط يوم الجمعة وبلغت أعلى مستوى منذ ما يقرب من أربع سنوات عند التسوية، بعد أن أعلن العراق حالة القوة القاهرة على جميع حقول النفط التي تطورها شركات أجنبية، وبعد أن هاجمت إسرائيل حقل غاز رئيسيا في إيران، وردت طهران بشن غارات على السعودية وقطر والكويت.
وتسببت الهجمات الإيرانية في إغلاق مضيق هرمز فعليا، وهو ممر ضيق يمره عبره نحو خمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، مما تسبب في أسوأ أزمة نفط منذ السبعينيات. وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى ارتفاع أسعار الغاز في أوروبا بنسبة تصل إلى 35 بالمئة الأسبوع الماضي.
وكتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي حوالي الساعة 0745 مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة (03:45 بتوقيت أبوظبي) أمس السبت "إذا لم تفتح إيران مضيق هرمز بالكامل ودون تهديد في غضون 48 ساعة، اعتبارا من هذه اللحظة تحديدا ستضرب الولايات المتحدة الأمريكية وتدمر محطات الطاقة المختلفة هناك وأكبرها أولا!".
ونقلت وسائل إعلام إيرانية اليوم الأحد عن علي موسوي ممثل إيران لدى المنظمة البحرية الدولية التابعة للأمم المتحدة قوله إن المضيق لا يزال مفتوحا أمام جميع السفن باستثناء تلك المرتبطة "بأعداء إيران".
وتحدث علي موسوي الأسبوع الماضي مع وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا)، قبل تهديد ترامب بمهاجمة محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يفتح المضيق بالكامل خلال 48 ساعة، مضيفا أن المرور عبر المضيق ممكن من خلال التنسيق مع طهران بشأن ترتيبات الأمن والسلامة.
وأظهرت بيانات تتبع السفن أن بعض السفن، مثل تلك التي ترفع العلم الهندي وناقلة نفط باكستانية، تمكنت من عبور المضيق بأمان. ولدى باكستان علاقات جيدة مع إيران وتحتفظ في الوقت نفسه بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة والسعودية.
وتتداخل شبكة الكهرباء في إيران بشدة مع قطاع الطاقة. وقد يؤدي قصف المحطات الرئيسية إلى انقطاع التيار الكهربائي وهو من شأنه أن يتسبب في شلل في كل المجالات بما يشمل المضخات والمصافي ومحطات التصدير ومراكز القيادة العسكرية.