نهاية أسطورة البحار.. حاملة الطائرات «نيميتز» تودّع الخدمة
تقترب حاملة الطائرات النووية "يو إس إس نيميتز"، أقدم حاملة طائرات عاملة بالطاقة النووية في الأسطول الأمريكي، من إسدال الستار على مسيرة استثنائية امتدت لأكثر من نصف قرن.
ففي مطلع هذا الشهر غادرت السفينة العملاقة قاعدة كيتساب البحرية في بريمرتون بولاية واشنطن متجهة إلى قاعدة نورفولك في فرجينيا، تمهيداً لإخراجها من الخدمة وتفكيكها، بحسب مجلة ناشيونال إنترست.
غير أن البحرية الأمريكية أعلنت في وقت متأخر من مساء الجمعة الماضية تمديد فترة خدمتها حتى مارس/آذار 2027، في قرار يمنح هذه الحاملة التاريخية فرصة إضافية قبل نهاية رحلتها الطويلة في البحار.
وتبحر "نيميتز" حالياً جنوباً بمحاذاة الساحل الغربي للأمريكيتين في رحلة توصف بالأخيرة، ستلتف خلالها حول رأس هورن في أقصى جنوب القارة الأمريكية، قبل أن تواصل مسارها شمالاً عبر الساحل الشرقي.
وتشمل هذه الرحلة زيارات لعدد من الموانئ، كما يُرجَّح أن تعمل خلالها ضمن نطاق مسؤولية القيادة الجنوبية الأمريكية، مع احتمال مشاركتها في مناورات "البحار الجنوبية 2026" المرتقبة، لتضيف فصلاً جديداً إلى سجلها الحافل بالمهام العملياتية.
لماذا سميت "نيميتز" بهذا الاسم؟
تحمل الحاملة اسم الأدميرال الأسطوري تشيستر وليام نيميتز، القائد الأعلى لأسطول المحيط الهادئ الأمريكي خلال الحرب العالمية الثانية.
وعلى خلاف كثير من حاملات الطائرات الأمريكية الحديثة التي تحمل أسماء رؤساء سابقين، جاء اختيار هذا الاسم تكريماً لقائد عسكري يعد أحد أبرز رموز التاريخ البحري الأمريكي.

فقد كان نيميتز واحداً من أربعة ضباط فقط في تاريخ الولايات المتحدة يحصلون على رتبة "أدميرال الأسطول" ذات الخمس نجوم، كما مُنح امتيازاً استثنائياً يتمثل في راتب الخدمة الفعلية مدى الحياة، ما يعني أنه لم يتقاعد رسمياً، في تقدير يعكس مكانته الاستثنائية.
ثاني حاملة نووية وأكثرها كفاءة
دخلت "يو إس إس نيميتز" الخدمة عام 1975 لتصبح ثاني حاملة طائرات نووية في تاريخ البحرية الأمريكية بعد "يو إس إس إنتربرايز" (سي في إن-65).
غير أنها تميزت بكفاءة تكنولوجية أعلى بكثير؛ فبينما احتاجت "إنتربرايز" إلى ثمانية مفاعلات نووية لتشغيلها، تعمل "نيميتز" بمفاعلين فقط. وتولد هذه المفاعلات الطاقة اللازمة لتشغيل أربعة توربينات بخارية تدفع السفينة بسرعة تصل إلى نحو 30 عقدة بحرية (نحو 55 كيلومتراً في الساعة)، مع قدرة على الإبحار آلاف الأميال دون الحاجة إلى التزود بالوقود. ومن المفارقات أن الحاملتين تشتركان تقريباً في عمر الخدمة ذاته الذي بلغ 51 عاماً.
من فورد إلى ترامب.. 10 رؤساء و9 إدارات
دُشنت الحاملة في الثالث من مايو/أيار عام 1975 في قاعدة نورفولك البحرية بحضور الرئيس الأمريكي -آنذاك- جيرالد فورد، الذي شارك بنفسه في الحرب العالمية الثانية كضابط بحري.
ومنذ ذلك الحين ظلت السفينة في الخدمة خلال عشر إدارات رئاسية متعاقبة، بدءاً من فورد مروراً بجيمي كارتر ورونالد ريغان وجورج بوش الأكبر وبيل كلينتون وجورج بوش الابن وباراك أوباما ودونالد ترامب وجو بايدن وصولاً إلى عودة ترامب مجدداً.
وقد أنهت الحاملة آخر مهامها العملياتية في ديسمبر/كانون الأول الماضي، ضمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ قبل انتقالها إلى الشرق الأوسط.
البداية المتعثرة.. عملية فاشلة تطارد الذاكرة
لم تكن بداية المسيرة القتالية للحاملة موفقة كما كان متوقعاً. ففي عام 1980 شاركت في عملية الإنقاذ الأمريكية الفاشلة للرهائن في إيران المعروفة باسم "عملية مخلب النسر".
وبعد 144 يوماً من البقاء في البحر انطلقت مروحيات من على متنها لتنفيذ المهمة، لكن العواصف الرملية والأعطال التقنية وسوء التنسيق أدت إلى انهيار العملية.
وخلال الانسحاب اصطدمت مروحية بطائرة نقل عسكرية، ما أسفر عن مقتل ثمانية جنود أمريكيين، في حادثة شكلت ضربة قاسية لإدارة الرئيس جيمي كارتر وساهمت في خسارته الانتخابات لاحقاً.
أول انتصار جوي.. طائرات إف-14 تدخل التاريخ
بعد عام واحد فقط، استعادت الحاملة جزءاً من هيبتها العسكرية. ففي 19 أغسطس/آب 1981 وأثناء وجودها في مياه خليج سرت، اعترضت مقاتلتان من طراز إف-14 "تومكات" تابعتان لها طائرتين ليبيتين من نوع سوخوي-22.
وخلال اشتباك جوي استمر أقل من دقيقة، أسقطت الطائرتان الأمريكيتان نظيرتيهما الليبيتين في حادثة عُرفت باسم "حادثة خليج سرت"، لتسجل أول اشتباك جوي للبحرية الأمريكية منذ حرب فيتنام.
جولة حول العالم.. مهام عابرة للقارات
على مدى خمسة عقود، جابت الحاملة محيطات العالم كافة وشاركت في عدد كبير من الأحداث الدولية. فقد انتشرت قبالة سواحل كوريا الجنوبية عام 1988 لتأمين الألعاب الأولمبية في سيول، كما شاركت عام 1991 في عملية "حرب الخليج" لتحرير الكويت.
وفي منتصف التسعينيات تم نشرها قرب تايوان خلال أزمة مع الصين. وبعد عملية تحديث وإعادة تزويد بالوقود بين عامي 1998 و2001، انطلقت في جولة حول العالم من قاعدة نورفولك، قبل أن تشارك عام 2003 في عملية "حرب العراق" بإطلاق طائراتها لدعم العمليات في العراق وأفغانستان.
وخلال مسيرتها الطويلة نفذت الحاملة ما يقرب من 28 مهمة انتشار عملياتي رئيسية.
نجمة هوليوود.. ظهور سينمائي مبكر
لم يقتصر حضور "نيميتز" على ساحات القتال، بل امتد أيضاً إلى الشاشة الفضية. فقد ظهرت عام 1980 في فيلم الخيال العلمي "العد التنازلي الأخير"، الذي تدور أحداثه حول انتقال الحاملة عبر الزمن إلى عشية الهجوم على بيرل هاربر عام 1941.
وتم إنتاج الفيلم بالتعاون مع وزارة الدفاع الأمريكية، كما شهد أحد أوائل الظهورات السينمائية للمقاتلة إف-14 قبل سنوات من شهرتها العالمية في فيلم "توب غن".
أول هبوط اضطراري لطائرة إف-35 سي
في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2014 سجلت الحاملة محطة مهمة في تاريخ الطيران البحري عندما هبطت عليها لأول مرة المقاتلة الشبحية إف-35 سي التابعة لسرب الاختبار والتقييم الجوي 23.
ورغم أن السفينة لعبت دوراً مهماً في اختبار هذه المقاتلة من الجيل الخامس، فإن التعديلات الهيكلية المكلفة المطلوبة لتشغيلها بشكل دائم دفعت البحرية الأمريكية إلى إعطاء الأولوية لحاملات أخرى أحدث مثل "كارل فينسون" و"جورج واشنطن".
أسطول جوي متكامل.. خمسة عقود من التطور
على مدار نصف قرن استضافت الحاملة طيفاً واسعاً من الطائرات التي تعكس تطور القوة الجوية البحرية الأمريكية. فقد ضمت في مراحل مختلفة طائرات الهجوم إيه-6 إي "إينترودر"، والمقاتلات الشهيرة إف-14 "تومكات"، ثم لاحقاً مقاتلات إف/إيه-18 "هورنت" و"سوبر هورنت".
كما استضافت طائرات الحرب الإلكترونية إي إيه-6 بي "براولر" وإي إيه-18 جي "غراولر"، وطائرات الإنذار المبكر إي-2 "هوك آي"، إضافة إلى طائرات النقل سي-2 "غرايهوند" والمروحيات متعددة المهام إم إتش-60 "سي هوك"، لتشكل مدينة جوية عائمة قادرة على تنفيذ طيف واسع من العمليات العسكرية.
مصير غامض.. لماذا لا تتحول "نيميتز" إلى متحف؟
مع اقتراب نهاية خدمتها، ظهرت دعوات شعبية للحفاظ على السفينة كمعلم تاريخي أو متحف بحري، على غرار حاملة الطائرات الشهيرة "يو إس إس ميدواي" (سي في-41).
غير أن هذا الخيار يواجه عقبات كبيرة، أبرزها وجود المفاعلات النووية داخل هيكل السفينة، إذ يتطلب إزالتها تفكيكاً شبه كامل للحاملة. كما أن هناك اعتبارات أمنية تتعلق بحماية المعلومات التقنية المرتبطة بتصميم حاملات الطائرات النووية الأمريكية.
مليار دولار ثمناً للتفكيك.. عملية معقدة تمتد لعقد
تفكيك الحاملة لن يكون مهمة بسيطة. فهذه العملية الهندسية الضخمة قد تستغرق أكثر من عشر سنوات كاملة وتكلف ما يقرب من مليار دولار. وقد منحت البحرية الأمريكية شركة "هنتنغتون إنغالز للصناعات" عقداً أولياً بقيمة 33.5 مليون دولار لمرحلة التخطيط، التي تشمل إزالة الوقود النووي والمعدات الحساسة والذخائر.
وتتضمن العملية لاحقاً نقل السفينة إلى أحواض نيوبورت نيوز لإخراج الوقود النووي من المفاعلات، قبل التخلص الآمن من حجرات المفاعل في منشآت تخزين متخصصة بولاية واشنطن، ثم تفكيك بقية الهيكل وإعادة تدوير المعادن.
بصيص أمل.. مفاعلات قد تعيش من جديد
رغم النهاية الوشيكة، قد لا تنتهي قصة التكنولوجيا التي حملتها "نيميتز" تماماً. فقد اقترحت شركة ناشئة تدعى "إتش جي بي إنتيليجنت إنيرجي" استخدام مفاعلات بحرية متقاعدة لتوليد الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي.
ويقترح المشروع إنشاء محطة نووية من هذا النوع في مدينة أوك ريدج بولاية تينيسي، ما قد يمنح تكنولوجيا الدفع النووي البحرية حياة ثانية خارج نطاق الاستخدام العسكري.
إرث لا يموت
مع اقتراب نهاية رحلتها، ستُستعاد من "يو إس إس نيميتز" جميع القطع والمكونات القابلة لإعادة الاستخدام لدعم حاملات الطائرات الأخرى من الفئة نفسها.
ورغم أن السفينة العملاقة ستختفي في النهاية من المشهد البحري، فإن إرثها سيبقى حاضراً في ذاكرة البحرية الأمريكية وسجلات التاريخ العسكري. فـ"نيميتز" لم تكن مجرد قطعة عسكرية ضخمة، بل رمزاً عائماً للقوة الأمريكية وشاهداً على نصف قرن من التحولات الجيوسياسية والصراعات الدولية التي شكلت ملامح العالم المعاصر.

