كنز ضائع بـ469 مليارا.. أفريقيا أمام اختبار تاريخي لإحياء منظومتها الضريبية
أكد بنك التنمية الأفريقي امتلاك القارة إمكانات مالية غير مستغلة، مشيراً إلى قدرة الدول الأفريقية على تعبئة نحو 469 مليار دولار سنوياً حتى 2029 عبر إصلاح وتطوير أنظمتها الضريبية.
وتسلط هذه التقديرات لبنك التنمية الأفريقي الضوء على فجوة هيكلية عميقة في المالية العامة، حيث لا تزال الحكومات الأفريقية تُحصل إيرادات ضريبية أقل بكثير من احتياجاتها التنموية، في وقت تتكبد فيه خسائر هائلة نتيجة التدفقات المالية غير المشروعة، وضعف الامتثال، والإعفاءات الضريبية غير المبررة.
فجوة تمويلية وهيكل ضريبي هش
وبحسب البنك، يبلغ متوسط الإيرادات الضريبية في أفريقيا نحو 18.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يقل بشكل ملحوظ عن الحد الأدنى المطلوب عند 27% لسد فجوة التمويل السنوية المقدرة بنحو 402 مليار دولار، اللازمة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة وأجندة الاتحاد الأفريقي 2063.
وتعود هذه الفجوة إلى مجموعة من الاختلالات، أبرزها اتساع الاقتصاد غير الرسمي، وضعف تطبيق القوانين، وتشتت قواعد البيانات الضريبية، إضافة إلى انتشار ممارسات التهرب الضريبي.
نزيف مالي يتجاوز الإيرادات
ووفق التقرير فإنه لا تقتصر المشكلة على ضعف التحصيل، بل تمتد إلى خسائر فعلية ضخمة، إذ تُقدر الأموال المهدرة عبر التدفقات المالية غير المشروعة في القارة بنحو 587 مليار دولار سنويا، وهو رقم يفوق إجمالي الإيرادات الضريبية التي جمعتها أفريقيا في عام 2023، والبالغة نحو 578 مليار دولار.
وتشمل هذه الخسائر أنشطة مثل التعدين غير القانوني، والتجارة غير المنظمة، وتحويل الأرباح إلى الخارج عبر ثغرات النظام الضريبي الدولي، ما يجعل جزءا كبيرا من الموارد خارج سيطرة الحكومات.
حلول عملية الرقمنة والانضباط المالي
ويرى بنك التنمية الأفريقي أن هذه الفجوة قابلة للمعالجة عبر حزمة إصلاحات عملية، تشمل رقمنة أنظمة الضرائب، وتطبيق أدوات تعريف دافعي الضرائب، واستخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الامتثال، إلى جانب تقليص الإعفاءات الضريبية غير المنتجة.
كما شدد على ضرورة تشديد قواعد تسعير التحويلات والحد من تهريب رؤوس الأموال، وهي ممارسات تُستخدم لنقل الأرباح خارج الاقتصادات الأفريقية.
وتُظهر تجارب بعض الدول أن الإصلاح ممكن وذو أثر ملموس. فقد رفعت أوغندا إيرادات ضريبة القيمة المضافة بنسبة 50% بعد اعتماد نظام إلكتروني للفواتير في 2021، بينما سجلت كينيا نموا في الإيرادات بنسبة 11.1% في 2024 بفضل تعزيز الامتثال الرقمي.
وتعكس هذه التجارب أهمية الدمج بين التكنولوجيا والإرادة السياسية في تحقيق قفزات نوعية في تعبئة الموارد.
في نيجيريا، التي تُعد من بين أدنى الدول من حيث نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي، تم إقرار حزمة إصلاحات شاملة في 2025 دخلت حيز التنفيذ مطلع 2026، بهدف توحيد النظام الضريبي وتعزيز الإيرادات غير النفطية.
ويُدير بنك التنمية الأفريقي حاليا 31 برنامجا نشطا لتعبئة الإيرادات في 22 دولة، ويقدم دعما ماليا وفنيا لتعزيز القدرات المؤسسية. وفي مارس 2026، وافق على منحة بقيمة 5.52 مليون دولار لدعم إدارة الضرائب في نيجيريا ودول غرب أفريقيا، في إطار أول مشروع إقليمي من نوعه.
كما أطلق البنك مؤشرا جديدا لقياس كفاءة الحكومات في تحويل الإيرادات إلى خدمات عامة، في محاولة لربط الجباية الضريبية بجودة الإنفاق العام.
وتعكس هذه المعطيات أن أفريقيا لا تعاني من نقص الموارد بقدر ما تواجه تحديات في إدارتها وتحصيلها. وبينما تبدو الإمكانات المالية الهائلة في متناول اليد، يبقى تحقيقها رهينا بقدرة الحكومات على تنفيذ إصلاحات جريئة، تعيد هيكلة الأنظمة الضريبية، وتعزز الشفافية، وتكبح النزيف المالي المستمر.