روبوتات البرمجة.. تحد وجودي لنموذج الإنترنت التقليدي
أصبح استخدام الإنترنت أكثر إزعاجاً وتعقيداً من أي وقت مضى، في ظل الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي.
تهيمن الروبوتات البرمجية على حركة الشبكة، مما دفع الشركات إلى تشديد إجراءات التحقق من هوية المستخدمين، وأدخل ملايين الأشخاص في دوامة يومية من اختبارات "إثبات الإنسانية" التي تستهلك الوقت وتؤثر على تجربة التصفح.
ففي كل مرة يحاول فيها المستخدم تسجيل الدخول إلى موقع إلكتروني أو الوصول إلى خدمة رقمية، يجد نفسه أمام سلسلة من الاختبارات التي تطلب منه التعرف على صور أو حل ألغاز بسيطة لإثبات أنه ليس روبوتًا.
ومع أن هذه الاختبارات صُممت في الأصل لحماية المواقع الإلكترونية من الهجمات الآلية، فإنها أصبحت أكثر تعقيدًا مع التطور الكبير في قدرات الذكاء الاصطناعي.
نقطة تحول
قال مدير المنتجات في شركة "كلاودفلير"، برايان بيكر، إن الحجم الهائل من وكلاء الذكاء الاصطناعي الذين يجوبون الإنترنت لجمع البيانات "غيّر قواعد اللعبة بالكامل".
وأوضح أن النماذج القديمة التي كانت تعتمد عليها الشركات لحماية مواقعها لم تعد كافية أمام هذا التدفق الضخم من الأنشطة الآلية.
كما ظهرت فئة جديدة من "وكلاء الذكاء الاصطناعي" القادرين على تنفيذ مهام كاملة نيابة عن المستخدم، وهو ما يقلل عدد الزوار الحقيقيين للمواقع ويحرمها من عائدات الإعلانات.
وأمام هذا الواقع، توسعت الشركات في استخدام أنظمة التحقق من البشر.
وتؤكد "كلاودفلير" أنها تنفذ نحو 7.7 مليار عملية تحقق يوميًا، مقارنة بـ2.1 مليار عملية فقط في عام 2023، ما يعكس الارتفاع الكبير في محاولات الروبوتات للوصول إلى المواقع الإلكترونية.
لكن المشكلة أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر قدرة على اجتياز هذه الاختبارات. فقد توصل باحثون من جامعة زيورخ قبل عامين إلى أن أنظمة التعلم الآلي تستطيع حل اختبارات "ريكابتشا" التابعة لغوغل بنسبة نجاح بلغت 100%، وهو ما أجبر الشركات المطورة لأنظمة الحماية على ابتكار اختبارات أكثر صعوبة وتعقيدًا لمواكبة التطور المستمر في قدرات الذكاء الاصطناعي.
تكلفة زمنية
ورغم أن غالبية المستخدمين يستطيعون اجتياز هذه الاختبارات، فإن تكلفة هذه الإجراءات لا تقتصر على الإزعاج فقط، بل تمتد إلى الوقت الضائع.
وتشير تقديرات سابقة إلى أن اختبار "كابتشا" الواحد يستغرق في المتوسط نحو 32 ثانية، وهو ما يعني أن البشرية تهدر ما يعادل 500 سنة من الوقت يوميًا في محاولة إثبات أنها ليست روبوتات.
ويرى خبراء أمن المعلومات أن هذا السباق قد يتحول إلى معركة بلا نهاية. من جامعة كاليفورنيا في إيرفين، البروفيسور جين تسوديك، قال إن فكرة الاعتماد على اختبارات "كابتشا" أصبحت معركة خاسرة في النهاية، معتبرًا أن البشر خسروا بالفعل سباق التعقيد أمام الآلات.
ومع ذلك، يحذر خبراء التكنولوجيا من أن التخلي عن وسائل الحماية ليس خيارًا مطروحًا، لأن ترك الروبوتات تعمل دون قيود قد يؤدي إلى إغراق الخوادم بحركة آلية هائلة تتسبب في تعطيل المواقع بالكامل وخروجها عن الخدمة.
ووفقا للتقرير، يبدو أن الإنترنت يدخل مرحلة جديدة لم يعد فيها الإنسان هو المستخدم الرئيسي للشبكة، بل أصبح أقلية وسط مليارات العمليات التي تنفذها الروبوتات يوميًا.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، يتوقع الخبراء أن تصبح مهمة إثبات أنك إنسان أكثر صعوبة في المستقبل، بينما يستمر السباق بين مطوري أنظمة الحماية ومطوري أدوات الذكاء الاصطناعي في رسم ملامح الجيل القادم من الإنترنت.
ونقل تقرير نشرته صحيفة "التليغراف" البريطانية عن بيانات إلى أن عام 2024 شكّل نقطة تحول تاريخية، بعدما تجاوزت حركة الروبوتات على الإنترنت لأول مرة حركة المستخدمين البشر، وفقًا لشركة الأمن السيبراني "إمبيرفا". ويرجع ذلك إلى الانتشار الواسع لروبوتات الذكاء الاصطناعي التي تقوم بجمع البيانات لتدريب النماذج اللغوية الكبيرة، إلى جانب تطوير أدوات قادرة على تجاوز أنظمة الحماية التقليدية.