من إعادة الإعمار إلى علاقات متوازنة مع الجميع وإصلاحات اقتصادية، رسم وزير خارجية سوريا أسعد الشيباني ملامح المرحلة الانتقالية في بلاده.
وقال الشيباني، في مقابلة خاصة مع «سكاي نيوز عربية» أجرتها كبيرة مذيعي IMI هادلي غامبل، إن بلاده دخلت مرحلة «صعبة جدًا» بعد إسقاط النظام السابق في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، مشيرًا إلى أن الحكومة الجديدة بدأت خطوات حاسمة لإعادة ترتيب البيت الداخلي والانفتاح على العالم.
وأكد الشيباني أن أكبر تحدٍ يواجه السوريين اليوم هو «إعادة الإعمار»، معتبرًا أنها الكلمة التي تختصر المرحلة الحالية.
وأوضح أن الحكومة السورية بدأت بالفعل خطوات لإعادة ترتيب العلاقات مع دول الجوار والمجتمع الدولي، والعمل على لمّ شمل السوريين، إلى جانب إطلاق مسار اقتصادي وتنموي جديد بعد رفع العقوبات في عام 2025، مع التطلع إلى عام 2026 كبداية فعلية لعمليات إعادة البناء.
4 ملايين منزل مدمر
وأشار الوزير إلى أن سوريا تواجه دمارًا واسعًا، إذ يوجد ما يقارب أربعة ملايين منزل مدمّر، إضافة إلى مدن بأكملها تعرضت للقصف، ما يجعل ملف إعادة الإعمار مرتبطًا مباشرة بعودة اللاجئين ولمّ شمل السوريين.
وقال إن الحكومة تعمل على إعادة ربط سوريا بالنظام المالي العالمي، عبر إصلاح السياسات المصرفية والمالية، وإعادة هيكلة المصارف، وإعادة ربط البنك المركزي السوري بنظام «سويفت»، إضافة إلى إصدار قانون استثمار جديد يطمئن المستثمرين العرب والأجانب.
وكشف أن دمشق نجحت في جذب ما يقارب 60 مليار دولار عبر مذكرات تفاهم وعقود، ركزت على قطاعات الطاقة والاتصالات والمواصلات، على أن يتم التركيز في المرحلة المقبلة على الإسكان وإعادة بناء المؤسسات الحكومية والتحول الرقمي.
علاقات متوازنة
وبشأن العلاقات الخارجية، شدد الشيباني على أن سوريا تؤمن بعلاقات دبلوماسية متوازنة مع جميع الدول، لكنها ترفض أن تُستخدم أراضيها أو سيادتها لخدمة مصالح أطراف خارجية.
وأكد أنه لا يوجد اليوم اقتصاد مشترك مع إيران، مشيرًا إلى أن العلاقة السابقة كانت مرتبطة بالنظام السابق، وتم إنهاؤها بعد التغيير السياسي.
أما في ما يتعلق بإسرائيل، فقال إن العلاقة «متوترة» في ظل ما وصفه باستغلال المرحلة الانتقالية، مؤكدًا أن سوريا تتبنى مقاربة تقوم على ضبط النفس والحفاظ على المسار الدبلوماسي، بدعم من الولايات المتحدة، بهدف إعادة تفعيل اتفاقية فصل الاشتباك لعام 1974 مع تعديلات لا تمس السيادة السورية.
وأضاف أن هناك أراضي احتُلت بعد الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، وأن الشرط الأول لأي تقدم هو انسحاب إسرائيل منها، معتبرًا أن «الكرة اليوم في ملعب إسرائيل»، فيما تؤكد سوريا استعدادها لعلاقة هادئة وترتيبات أمنية تتيح لها التركيز على إعادة الإعمار.
دعم أمريكي وانفتاح اقتصادي
وأشاد الشيباني بما وصفه بـ«السياسة الاستثنائية» للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه سوريا، معتبرًا أن واشنطن منحت بلاده فرصة جديدة، ومشيرًا إلى توقيع عقود في قطاع النفط مع شركة «شيفرون»، مع تطلع دمشق إلى شراكات اقتصادية أوسع مع الشركات الأمريكية.
كما أكد أن العلاقة مع روسيا لا ينبغي ربطها بمصير بشار الأسد، موضحًا أن المشكلة كانت مع دور موسكو السابق في سوريا، وأن بلاده تسعى اليوم إلى علاقات متوازنة، مع الإقرار بأهمية روسيا كدولة كبرى وعضو دائم في مجلس الأمن.
العدالة لبشار
وبخصوص مصير بشار الأسد ومسؤولي النظام السابق، قال الشيباني إن هذا الملف «يقرره أصحاب الدم»، مؤكدًا أنه لا يمكن منح «صك غفران» لمن تورطوا في قتل السوريين، وأن العدالة هي الحل الوحيد لضمان عدم تكرار المأساة.
وأضاف أن الإفلات من العقاب يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الجرائم يمكن أن تمر دون مساءلة، مشددًا على ضرورة محاسبة كل من تورط في الدم السوري.
سوريا الجديدة
وأكد الوزير أن سوريا الجديدة ستكون «دولة لجميع السوريين»، يحكمها القانون وتحمي التنوع الديني والعرقي، رافضًا أي حديث عن إبادة للأقليات، ومشيرًا إلى أن مختلف المكونات ممثلة في مؤسسات الدولة.
وأوضح أن نحو مليون ونصف مليون لاجئ عادوا إلى البلاد خلال العام الأول، مع إغلاق عدد مماثل من المخيمات، معتبرًا أن الصورة الذهنية عن سوريا تغيرت من «الهجرة والقتل واليأس» إلى «العودة الطوعية والأمل والاستثمار».
وختم بالقول إن سوريا اليوم تتجاوز الحديث عن الأمن إلى الحديث عن الفرص، داعيًا الشركات الكبرى إلى الاستثمار في «دولة صاعدة»، ومؤكدًا ثقته بأن السنوات المقبلة ستشهد تحولًا يجعل من سوريا نموذجًا ملهمًا في إعادة البناء والتنمية.