استراتيجية أمريكا 2026.. هل اقترب تصنيف الإخوان تنظيما إرهابيا شاملا؟
في تحول لافت يتجاوز ملاحقة التنظيمات الإرهابية إلى استهداف الجذور الفكرية المغذية لها، تبدو واشنطن أقرب من أي وقت مضى إلى تصنيف كامل لجماعة الإخوان إرهابية، بعد التركيز على عدد من فروعها الرئيسية.
هذا التحول برز بوضوح في الاستراتيجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب لعام 2026، التي نشرها البيت الأبيض الأربعاء واطلعت عليها «العين الإخبارية»، إذ قدمت رؤية غير مسبوقة تربط الإخوان مباشرة بالبنية الفكرية التي انطلقت منها تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش» و«حماس».
ولم تكتفِ الوثيقة بوصف الجماعة باعتبارها مظلة أيديولوجية غذت التطرف العابر للحدود، بل حملت مؤشرات على انتقال أمريكي من سياسة استهداف الفروع إلى مقاربة تستهدف «الأصل المؤسس» نفسه، في تطور يعزز التكهنات باتجاه واشنطن نحو تصنيف أوسع وأكثر شمولا للإخوان كتنظيم إرهابي، بعد إدراج عدة فروع وكيانات مرتبطة بها خلال السنوات الأخيرة، وفق خبراء لـ«العين الإخبارية».
وأكدوا أن "كل ذلك حذرت منه الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات بشأن خطورة تنظيم الإخوان واختراقه للمجتمعات ومؤسسات الدولة، وهو ما يعكس قراءة استراتيجية دقيقة وليس موقفاً سياسياً عابراً".
ترامب حاسم مع الحركات الإرهابية
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول المحلل في شؤون الجماعات الإرهابية، أحمد بان، إن الاستراتيجية الأمريكية التي بدأت في تصنيف بعض الفروع في دول مثل مصر ولبنان والسودان وغيرها، تفتح بالطبع لعملية تصنيف التنظيم ككل منظمة إرهابية.
وأوضح بان أن "الاستراتيجية الأمريكية منذ البداية قائمة على فكرة التدرج لتجنب الوقوع في فخ العقبات القانونية المتعلقة بوجود بعض هذه المكونات ضمن أجهزة الحكم في بعض الدول".
وتابع: "لذلك، هي تمضي على مهل في تصنيف فرع تلو الآخر، حتى لا تتورط في أي عقبات أو ثغرات قانونية قد تمكّن هذا التنظيم من إعادة تنظيم صفوفه من جديد أو إطلاق عناوين وواجهات جديدة".
وأكد أن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لمكافحة الإرهاب لعام 2026، التي أصدرها البيت الأبيض وأدرجت جماعة الإخوان ضمن التنظيمات المرتبطة بأنشطة متطرفة، وربطت بينها وبين تنظيمي القاعدة وداعش، نتاج لخطوات متراكمة.
وتلك الخطوات بدأت مع ولاية ترامب الثانية وسعيه إلى التعامل بحسم مع حركات التطرف والإرهاب حول العالم، ومنها داعش والإخوان والقاعدة، وفق بان.
ويأتي هذا التصنيف ضمن سياسة تبدو أكثر رصانة في حظر أفرع الجماعة، مثلا في لبنان والأردن ومصر، في تأكيد على أن واشنطن تعلم عن مراكز الثقل الحقيقية للتنظيم التي كانت في هذه الدول، وبالتالي تبدو هذه الخطوة أنها تأتي في سياقها الطبيعي.
وفيما يتعلق بدلالة وصف واشنطن للإخوان بـ"العقل المؤسس للفوضى" و"البنية المنتجة للتطرف"، أضاف أحمد بان: "بطبيعة الحال، هذه الجماعة هي الوعاء الأكبر لكل حركات التطرف والإرهاب في العالم، وهي التي أنجبت معظم أساطين الإرهاب في العالم".
وعن كيفية تحول صورة الإخوان في الأدبيات الاستخباراتية الأمريكية من خصم يمكن احتواؤه في حقبة أوباما إلى جذر الشر في استراتيجية 2026 مع ترامب، قال: "أتصور أن محاولات بعض الدوائر الأمريكية استخدام ورقة الإخوان لابتزاز الأنظمة الوطنية في العالم ومحاولة توظيفهم لخدمة الأهداف الأمريكية السابقة في ظل الإدارة الديمقراطية، التي استنفذت أسبابها".
وأضاف: "بالتالي أصبحت الإدارة الجمهورية الجديدة على وعي بأن هذه الورقة لا يمكن استخدامها أكثر من ذلك، وأن استخدامها سيضر بتحالفات أمريكا مع العديد من الدول في الشرق الأوسط".
وبشأن إمكانية أن يؤدي هذا التصنيف إلى إعادة تعريف شاملة لكل تيارات الإسلام السياسي، حتى غير المرتبطة بالعنف، تمني بان أن "تصل الاستراتيجية إلى هذا المستوى في إعادة تحرير معنى كلمة الإرهاب، وإبداء وجهة نظر واضحة تجاه كل حركات الإرهاب، وحتى على مستوى الدول".
وبشأن فاعلية الاستراتيجية الجديدة وتأثيرها المحتمل على جماعة الإخوان حول العالم، خلص بان بأنها "ستحد هذه الاستراتيجية من الحرية التي كانت ممنوحة للتنظيم، وبالتالي ستنعكس على أداء وسلوك هذه التنظيمات في الخارج".
تحول نوعي
ويرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق أبوزينب، في حديث لـ«العين الإخبارية» أن إدراج الإدارة الأمريكية لجماعة الإخوان ضمن استراتيجية مكافحة الإرهاب لعام 2026، وربطها المباشر بتنظيمات مثل تنظيم القاعدةوتنظيم داعش الإرهابي، يشكل تحوّلاً نوعياً في العقيدة الأمنية الأمريكية، لأن واشنطن لم تعد تنظر إلى الإخوان كتنظيم سياسي ديني فقط، بل كبنية أيديولوجية تنتج التطرف وتغذي التنظيمات العنيفة فكرياً وتنظيمياً".
وأضاف أبوزينب: "وصف الإخوان بأنهم العقل المؤسس للفوضى والبنية المنتجة للتطرف يحمل دلالات خطيرة، لأنه يعني أن الإدارة الأمريكية باتت تعتبر أن الإرهاب لا يبدأ بالسلاح فقط، بل يبدأ بالعقيدة التعبوية والخطاب التحريضي وشبكات التمويل والتجنيد التي مهدت تاريخياً لظهور التنظيمات المتطرفة".
وهذه المقاربة «قد تؤدي إلى إعادة تعريف واسعة لتيارات الإسلام السياسي، حتى تلك التي تحاول تقديم نفسها كحركات مدنية أو دعوية، لأن واشنطن باتت تركز على البنية الفكرية العابرة للحدود وليس فقط على العمل المسلح المباشر. وبالتالي سنشهد تشديداً أكبر على الجمعيات، المنصات الإعلامية، وشبكات التمويل المرتبطة بهذا الفكر في عدة دول"، بحسب أبوزينب.
وستظهر فاعلية هذه الاستراتيجية، وفق أبوزينب، من خلال مستوى التنسيق الأمني الدولي وتجفيف مصادر التمويل والملاحقة الرقمية والإعلامية، وإذا التزمت واشنطن بهذه المقاربة الجديدة، فإن الإخوان سيواجهون عزلة سياسية ومالية متزايدة في عدد كبير من الدول، خصوصاً مع تنامي القناعة الدولية بأن الجماعات الأيديولوجية العابرة للحدود تشكل تهديداً طويل الأمد للاستقرار".
التصنيف الكامل وشيك
ويتوقع أبوزينب أن تتجه واشنطن تدريجياً نحو تصنيف كامل وشامل للجماعة كمنظمة إرهابية، خاصة بعد تصنيف فروع وشخصيات مرتبطة بالإخوان في عدة دول، لافتا إلى أن ما يجري اليوم قد يكون مرحلة تمهيدية لقرار أكبر في المستقبل، خاصة أن الجماعة تستمر في استخدام الأذرع السياسية والإعلامية والدينية كغطاء لمشاريع تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
وأوضح أن "الخطير أن جماعة الإخوان رغم محاولتها الظهور كتيار سياسي، أثبتت في محطات عديدة أن مصالحها وتحالفاتها تتقاطع مع المشروع الإيراني في المنطقة، خصوصاً في ما يتعلق بإضعاف الدول العربية واستهداف استقرارها. فالنظام الإيراني اعتمد لعقود على الأذرع العقائدية والتنظيمات العابرة للحدود لممارسة الضغوط والأعمال الإرهابية والفوضوية ضد دول المنطقة".
ولفت الباحث والمحلل السياسي اللبناني إلى أن "كل ذلك حذّرت منه الإمارات العربية المتحدة منذ سنوات بشأن خطورة تنظيم الإخوان واختراقه للمجتمعات ومؤسسات الدولة، وهو ما يعكس قراءة استراتيجية دقيقة وليس موقفاً سياسياً عابراً. فالإمارات كانت من أوائل الدول التي نبّهت إلى العلاقة بين الفكر الإخواني وبيئات التطرف والفوضى، واليوم نرى أن كثيراً من العواصم الغربية والعربية بدأت تتبنى المقاربة نفسها بعد سنوات من تجاهل هذا الخطر".
وفي يناير/كانون الثاني الماضي، قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصنيف فروع جماعة الإخوان في مصر والأردن ولبنان كمنظمات إرهابية، وفرضت عقوبات عليها وعلى أعضائها.
وأعلنت وزارتا الخزانة والخارجية اتخاذ إجراءات ضد فروع جماعة الإخوان المسلمين في لبنان والأردن ومصر، والتي قالتا إنها تشكل خطراً على الولايات المتحدة والمصالح الأمريكية، وفقا لـ"أسوشيتد برس".
والخطوة الأمريكية بدأت منذ نوفمبر/تشرين الثاني الماضي حين أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدأ إجراءات تصنيف بعض فروع الإخوان منظمات إرهابية أجنبية.
وتصنّف السلطات المصرية، «الإخوان»، «جماعة إرهابية» منذ عام 2013، ويقبع معظم قيادات الإخوان، وفي مقدمتهم المرشد العام محمد بديع، داخل السجون المصرية في قضايا عنف وقتل وقعت بمصر بعد رحيل الإخوان عن السلطة في العام نفسه، في حين هناك آخرون هاربون في الخارج ومطلوبون للقضاء المصري، ويديرون حاليا التنظيم وسط انقسامات حادة.
وفي مارس الماضي، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان السودانية كمنظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص وإدراجها رسمياً على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وبحسب البيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، فإن الخطوة قد تمثل تصعيداً ملحوظاً في الضغوط الأمريكية على الجماعة التي تتهمها واشنطن بارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين في السودان خلال الحرب الجارية.