سياسة

الإنتاج العربي المشترك.. إلى أين؟

الجمعة 2018.9.7 07:35 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 225قراءة
  • 0 تعليق
محمد شمس الدين

ربما يخطر على بال كثيرين من العنوان أن المعني مؤسسة الإنتاج البرامجي العربي المشترك، والتي كان مقرها الرئيسي في الكويت، وكانت عبارة عن شراكة حكومية بين عدد من مؤسسات الدول الأعضاء لإنتاج برامج تلفزيونية موحدة، إلا أن المقصود بها في هذه السطور هو التعاون والتكاتف العربي في هذا المجال الواسع.

لماذا يستبعد كثيرون إمكانية أن يفكر أحد بطريقة تعطي صناعة الإعلام العربية قسطا من الراحة لتستجمع قواها وتعود بقوة لتؤدي دورها كقوة ناعمة مؤثرة عالميا كما كانت يوما ما، خاصة أن مناشدات عديدة كانت قد أطلقت لإنقاذ الصناعة؟

الأزمة التي عصفت بالإنتاج الإعلامي العربي المشترك لم تكن أزمة مالية فحسب؛ حيث هي من نوع الأزمات التي تتأثر أيضا سلبا وإيجابا بتأثر المزاج السياسي السائد في المنطقة، تماما كما يحدث مع الاقتصاد والعلاقات الدبلوماسية بين الدول، لكن السياسة والدبلوماسية قد تكونان ضحية أيضا وكذلك الاقتصاد إن لم يقم الإعلام وصناعه بدورهم في تعزيز قيم التقارب والوحدة.

إلا أنها ليست عصية على الحل كبعض الأزمات السياسية، بل يجب تنحيتها تماما عن الإشكالات السياسية بمختلف درجاتها.

ولعلكم تذكرون بدايات الشبكات التلفزيونية التي دخلت الفضاء والتي هي الآن في منتصف عقدها الثالث، وعلى رأسها مجموعة مركز تلفزيون الشرق الأوسط mbc وشبكة راديو وتلفزيون العرب ART  وشبكة أوربت التي تعود ملكياتها إلى رجال أعمال سعوديين وتلفزيون دبي التابع لحكومة دبي وشبكة شوتايم التي تعود ملكيتها لرجال أعمال خليجيين وقنوات دريم والمحور المملوكة لرجلي أعمال مصريين.

لا أحد ينكر كيف كانت تلك الشاشات بما حققته من نجاح مطلق مصدرا للترفيه الأول لكل العرب.

ولو بحثنا في عوامل نجاح معظم تلك القنوات لوجدنا أن أبرزها كان تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والسياسية، إضافة إلى الكوزموبوليتانية الثقافية والفكرية التي بنيت عليها تلك المؤسسات بدءا بمجالس إداراتها وانتهاء بأصغر قسم فيها.

قد يقول قائل إن الضرورة كانت السبب في ذلك، حيث كان لا بد من أن ترى تلك القنوات النور من أوروبا لأسباب متعددة حتمت على تلك الشبكات اللجوء إلى ذلك الخيار، حيث انطلقت mbc في العام ألف وتسعمائة وواحد وتسعين من عاصمة الضباب لندن، لتوفر تقنيات إطلاق البث الفضائي بأحدث التجهيزات، إضافة إلى الكوادر العربية التي كانت تعمل في الخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية وغيرها من المؤسسات الصحفية، إضافة إلى أن المناخ القانوني والتشريعي والثقافي لم يكن مهيئا في السعودية حينها لإطلاق مؤسسات إعلامية بمواصفات اجتماعية عالمية إن جاز التوصيف، واختارت ART أن تنطلق من إيطاليا في العام ألف وتسعمئة وثلاثة وتسعين لأسباب شبيهة.

هذا صحيح.. ولكن مسألة التنوع الثقافي والفكري الذي أشرت إليه شكل كلمة السر في وصفة نجاح هذه الشبكة التي أسرت قلوب العرب وصنعت بذلك أولى الذكريات المفرحة التي تربعت على القلوب، كذلك كان الأمر مع شبكتي ART وأوربت إلا أن الأمر تغير كثيرا اليوم.

على الرغم من انتقال مجموعة mbc إلى داخل الشرق الأوسط إلى دبي والقاهرة وبيروت تحديدا واستمرارها في إنتاج برامجها بصيغ برامجية موجهة إلى كل العرب إلا أن صعوبات اقتصادية دفعت بها للاكتفاء بمركزي إنتاج دبي وبيروت والانسحاب من مركز إنتاج القاهرة، إضافة إلى قوة المنافسة التي واجهتها في القاهرة من منافسين محليين حينها كدريم والمحور اللتين نافستا بقوة في بداياتهما، وكانتا مؤسستين تجمعهما الهوية المصرية والتوجه العربي، وأيضا راديو وتلفزيون العرب وأوربت اللذان كانا ينتجان برامجهما من القاهرة وبيروت وعمان ثم انضمت إليهما روتانا في القاهرة وبيروت، ثم لحقت هذه الشبكات الأخيرة بـmbc في الانسحاب من القاهرة بشكل دراماتيكي، وكلها لأسباب اقتصادية في المقام الأول ترتبط بمعادلة تكاليف الإنتاج والإعلانات، فشبكة ART انسحبت من سوق المنافسة عبر تصفية قنواتها بقرار من مالكها صالح كامل الذي قام بتوزيع ملكيتها على أبنائه.

أما أوربت فقررت الاندماج مع شوتايم، الشبكة التي انتهجت منهجا ذكيا، فكانت ولا تزال تعمل بصمت وصنعت لنفسها شبكة أمان مالي خاصة بها ميزتها عن بقية الشبكات، حيث تنتج برامج عالية في تكلفتها الإنتاجية وعالية في جودة محتواها وتنوعها الثقافي وتعدد الأسواق التي تستهدفها، لذلك فهي الشبكة الوحيدة التي نجحت في تحقيق اختراق على صعيد ضمان نسبة مشاهدين من فئات نخبوية في المجتمعات العربية بشكل ثابت إلى يومنا هذا، ولا تزال في توسع.. وما تتفرد به أنها لا تعتمد على الإعلانات كمصدر دخل أساسي كبقية الشبكات المفتوحة.

سأحاول فيما يلي تلخيص الأزمة التي هي محور المقال:

المشاهد العربي كالمشاهد الغربي يحب أن يشاهد كل ما هو غريب وجديد، وما وفرته mbc كمثال هو أنها كانت ولا تزال إلى حد بعيد توفر له ذلك المحتوى الغريب الذي ليس لديه في بلاده بصيغ تلفزيونية، تجعله يشعر أن هذه الشاشة تنتمي إليه وتقدم له الغريب والفريد وبأوجه عربية مختلفة.

المشاهد العربي يحن إلى كل ما من شأنه أن يحقق التقارب والاتحاد وقد نجح صناع القرار حينها في جعل هذا التقارب والاتحاد الثقافي حقيقة ذات مرة ما يعني أن طريق العودة إليه واضح المعالم، فلم لا تعاد الكرة؟ وأعني هنا جنوح معظم الشبكات التلفزيونية العربية إلى المحلية وهذا حقها بطبيعة الحال، إلا أن طعم النجاح المشترك لا مثيل له وانعكاساته وفوائده عديدة على البلدان التي تستهدفها.

الشبكة الوحيدة التي لا تزال تحافظ على هذا التنوع والاتحاد الثقافي هي شبكة قنوات دبي، ممثلة في قناتها الأولى التي تناضل بضراوة في هذا المضمار عبر برامج متنوعة المحتوى وفترات إخبارية عالمية تقدم بواسطة مقدمين من مختلف الجنسيات العربية ويعمل على إعدادها كذلك عرب، بل إنها تعمل على أبعد من ذلك عبر قناتها باللغة الإنجليزية، حيث تعمل على تعزيز حالة الاتحاد الثقافي عالميا، وهذا أمر يتقنه صناع الإعلام في دبي، إضافة إلى شبكة قنوات أبوظبي التي تقدم محتوى ترفيهيا مميزا وتدخل السباق في كل موسم بأعمال مذهلة من إنتاجها، سواء في المسلسلات أو البرامج وكذلك المحتوى الثقافي الوثائقي عبر قنوات ناشيونال جيوغرافيك وكويست، التي تم تعريبهما لخدمة المشاهد العربي أينما كان، إضافة إلى ما نجحت فيه أبوظبي ودبي في مجال الإنتاج السينمائي العالمي.

هذه النماذج الرائعة نجحت في التربع على عرش صناعة الإنتاج الإعلامي بشكل يعطي ذات الصبغة التي أسرت بها التجارب الأولى للفضائيات العربية، ولعل السر في ذلك أيضا إبقاؤها على عناصر النجاح الأولى التي ترتكز على فسيفساء التنوع الثقافي الذي يمثل جوهر هذه السطور.

هناك أمر لا بد من الإشارة إليه بما أن هناك من يعاني من الدخول للاستثمار في مجال الإنتاج التلفزيوني بشكل عام؛ حيث لم نعد نستغرب إذا ما سمعنا بدخول منتج جديد إلى السوق والانسحاب سريعا بسبب فشل مشروعه الإنتاجي ماديا أو فنيا لأسباب مختلفة، وهنا أهمس في أذن المؤسسين لاتحاد المنتجين العرب لم لا يكون لكم دور رئيسي في إنعاش هذا المجال ودعمه، وأقل ما يمكن تقديمه أن يقوم الاتحاد بتمليك خبرات أعضائه لعشاق هذا المجال، بدلا من الانكفاء على ذاته وخسارة قيمته المهنية وما يمكن أن تؤسس له من قواعد للعبة الإنتاج من شأنها تعبيد الطريق أمام المنتجين الشباب وتحريك السوق وتوفير فرص عمل وغير ذلك من إيجابيات.

الفرق بين الإنتاجات العربية والأجنبية أن المنتجين العرب يعانون من تكالب غير المتخصصين عليهم، ومن ينجح منهم في مصادفة الطيبين والمهنيين (ولاد الحلال) يكون محظوظا، لذلك يواجه كل إنتاج عربي كثيرا من الصعوبات والعقبات، وكثير منها يتعثر ولا يرى النور، وكثير من المنتجين يغيرون بوصلتهم نحو استثمارات أخرى أكثر أمانا، بينما في الغرب كل شيء تقريبا واضح والأمر عندهم شبيه بمراكز التسوق الكبيرة التي يأ خذ منها المرء ما يحتاج بالقيمة الي يحتاجها لينتج أشهى الوجبات، والدليل من رأيناهم من المنتجين الشباب العرب الذين نجحوا في هوليوود وهم مستمرون إلى اليوم، بل إنهم بدأوا في نقل خبراتهم إلى أبناء جيلهم في المنطقة العربية، لكن المدرسة التي سينتمي إليها هذا الجيل هي هوليوود بدلا من المدرسة العربية، سيكون الأمر أكثر سهولة لو بادر الاتحاد بالتعاون مع مراكز إنتاج متخصصة كالتي في أبوظبي ودبي والقاهرة وورزازات التي نجحت بما لديها من بنية تحتية وموارد طبيعية في استقطاب صناع الترفيه في مدرسة هوليوود.

ولا أنسى تحدي السوشيال ميديا الذي إن اتحد المنتجون العرب حقيقة فإنه بأيديهم إجبار هذه المنصات للرضوخ لها وإعادة قدر من التوازن للمنافسة الشريفة.

لا يمكن الحديث حول موضوع كهذا دون التوقف قليلا في مصر وما يحدث فيها من استحواذات من قبل شركات استثمار إعلامي كبرى على مؤسسات إعلامية ليست بالهينة، وفي تقديري فإن الوضع الاقتصادي لهذه المؤسسات والتعثرات المالية الضخمة والمتتالية لأسباب عديدة هو أهم الأسباب، صحيح أن الاستحواذ صناعة لا تخلو من الربح والخسارة على قاعدة يوم لك ويوم عليك، لكن هناك من وجد في تسوية خسائره مخرجا وراحة بال على أمل العودة بوضع أفضل، وربما تكون عمليات الاستحواذ هذه طوق نجاة لصناعة الإعلام في مصر التي تعاني لأسباب لا تخلو من حسابات غير دقيقة، فيما يتعلق بالإنتاجات الضخمة غير مدروسة العواقب بعكس ما يراه البعض بنظرة تشاؤمية يلقون باللائمة فيها على الأجهزة الرسمية.

لماذا يستبعد كثيرون إمكانية أن يفكر أحد بطريقة تعطي صناعة الإعلام العربية قسطا من الراحة لتستجمع قواها وتعود بقوة لتؤدي دورها كقوة ناعمة مؤثرة عالميا كما كانت يوما ما، خاصة أن مناشدات عديدة كانت قد أطلقت لإنقاذ الصناعة، ولكن قد يكون آخر العلاج الكي في بعض الأحيان.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات