في قراءةٍ متأنيةٍ لكتاب فن الحرب، تبدو قواعد الصراع كما صاغها سون تزو قبل أكثر من ألفي عام ثابتةً في جوهرها، لكنها قابلةٌ لإعادة التشكيل كلما ظهر قائدٌ قادرٌ على تحويلها من نصٍ نظري إلى واقعٍ حي.
هذا ما يتجلى بوضوح في نهج الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية، الذي تدرج في السلك العسكري طيارًا ومقاتلًا وقائدًا، حيث لم يكتفِ بتطبيق هذه القواعد، بل أعاد صياغتها ضمن نموذجٍ حديث في إدارة الحرب الدفاعية.
أولى هذه القواعد أن "إن أعظم انتصار هو كسر مقاومة العدو دون قتال"؛ سون تزو كان يرى أن كسر إرادة الخصم قبل المواجهة هو ذروة المهارة، لكن ما جرى عمليًا يتجاوز ذلك، إذ لم يكن الهدف مجرد تحييد الهجوم، بل إعادة تشكيل حسابات الخصم بالكامل؛ فالدفاع هنا لم يكن رد فعل، بل رسالة ردع واضحة مفادها أن كلفة الاقتراب من الدولة تفوق أي مكسب محتمل، وهكذا تحوّل الانتصار من لحظةٍ ميدانية إلى نتيجةٍ تصنع في عقل الخصم قبل أن تبدأ المعركة.
وفي قاعدته الثانية "إذا عرفت عدوك وعرفت نفسك، فلا تخشَ نتيجة مئة معركة"، يضع سون تزو أساس التوازن في الصراع، غير أن التطبيق المعاصر نقل هذا الفهم إلى مستوى أعمق، إذ لم تدر المواجهة بناءً على قراءة الخصم فقط، بل على تكامل قدرات الدولة بأكملها، فالمسألة لم تعد مواجهةً عسكريةً تقليدية، بل إدارة منظومة شاملة تتداخل فيها الأجهزة الأمنية، والمؤسسات المدنية، والبنية الاقتصادية، ضمن تنسيقٍ دقيقٍ ومتكاملٍ يعكس فهمًا متقدمًا لطبيعة الصراعات الحديثة.
أما القاعدة الثالثة، "المقاتل الماهر يضع نفسه في موضع يجعل هزيمته مستحيلة"، فقد وجدت تطبيقها الأوضح في هذا النموذج؛ فالدفاع لم يكن مجرد وسيلة حماية، بل أداة لإعادة تعريف الدولة في نظر خصومها، حيث لم تحم الحدود فقط، بل رسمت معادلة جديدة مفادها أن هذه الدولة، رغم ما تتمتع به من انفتاح وازدهار، تظل عصيةً على الاختراق، مغريةً في صورتها، لكنها صلبةٌ في جوهرها، جلدها غليظ، ولحمتها مُرّة، قادرةٌ على ردع أي محاولة للمساس باستقرارها.
وفيما يرى سون تزو أن "كل الحروب تقوم على الخداع"، فإن ما برز في هذا النموذج كان مختلفًا في ظاهره، متسقًا في جوهره؛ إذ استُبدل الغموض بالوضوح المقصود من خلال تسمية الأمور بمسمياتها، وتحديد المسؤوليات بشكل صريح، ليس طرحًا إعلاميًا، بل تثبيتًا قانونيًا يقيد الخصم ويمنع إعادة صياغة الوقائع؛ وهنا يظهر بعدٌ متقدم في إدارة الصراع، حيث يمتد تأثير المعركة إلى المجال القانوني والدولي، فيتحول الوضوح إلى أداة ضغط لا تقل أهمية عن القوة.
أما القاعدة الخامسة، "القائد الذي يحقق النصر يقوم بحسابات كثيرة قبل خوض المعركة"، فهي التي تفسر المشهد بأكمله؛ فالجاهزية لم تبنَ في الجانب العسكري فقط، بل شملت الاقتصاد وسلاسل الإمداد وتماسك المجتمع وكفاءة المؤسسات، وهو ما مكن الدولة من الاستمرار تحت الضغط دون أن يتحول التهديد إلى اضطراب.
غير أن سون تزو قد حذّر أيضًا من بعدٍ آخر لا يقل أهمية حين قال: "لا يوجد مثال لدولة استفادت من حرب طويلة"، وهنا تحديدًا يظهر التحول الأبرز في هذا النموذج، إذ لم تدر المواجهة بوصفها عبئًا اقتصاديًا، بل ضمن معادلةٍ تقلل الاستنزاف إلى حده الأدنى، وتبقي عجلة الاقتصاد والمجتمع في حالة استمرارية.
فالنتيجة لم تكن فقط صد التهديد وردع الاعتداءات، بل الحفاظ على توازن الدولة المالي والتشغيلي، والاستراتيجي، واستمرار الحياة بشكل طبيعي رغم الضغط، وهو ما يعكس فهمًا استراتيجيًا يتجاوز إدارة المعركة إلى إدارة أثرها، بحيث لا تتحول الحرب إلى استنزاف، بل تبقى ضمن نطاق السيطرة دون أن تمس جوهر الدولة أو مواردها.
وفي قلب هذا المشهد، لم يكن دور القيادة الفاعلة للشيخ محمد بن زايد آل نهيان ومؤسسات الدولة غائبًا؛ بل على العكس، كان حاضرًا في تفاصيله، من خلال المتابعة المباشرة، والرسائل الواضحة التي طمأنت المواطنين والمقيمين والمستثمرين، ورسخت الثقة بأن ما يجري تحت السيطرة، حيث لم يكن هذا الحضور رمزيًا، بل جزءًا من إدارة المعركة نفسيًا، وهو بعدٌ يدركه سون تزو في كتابه، لكن التطبيق هنا منحه عمقًا إنسانيًا ومجتمعيًا أكبر.
بهذا المعنى، لا يمكن قراءة ما حدث بوصفه مواجهةً دفاعيةً ناجحة فقط، بل بوصفه نموذجًا متكاملًا في إدارة الصراعات؛ نموذج يجمع بين الإرادة الصادقة والقوية، والاستشراف، وحسن التقدير، والقدرة على توظيف كل أدوات الدولة في لحظة واحدة، ليصل إلى نتيجةٍ تتجاوز النصر التقليدي، من حيث تثبيت الاستقرار، وفرض معادلة ردعٍ تجعل الخصم يعيد التفكير قبل أن يقترب مرةً أخرى.
وهنا تتضح الخلاصة: أن فن الحرب، في هذا السياق، لم يعد مجرد إدارة معركة، بل إعادة تعريف لمعنى الانتصار ذاته، إذ لم يعد يقاس بما يصيب الخصم من خسارة، بل بما تحافظ عليه الدولة من توازنها واستمراريتها؛ فحين تستهدف الدولة وتبقى مؤسساتها تعمل، وحياتها مستمرة، وثقة مجتمعها ثابتة، فإن ذلك ليس مجرد صمود، بل انتصارٌ مكتمل الأركان، يفرض نفسه كمعادلةٍ جديدة في فهم فن الحروب وإدارتها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة