في عالم يتجه أكثر نحو التواصل المفتوح، أصبحت المحافل الدولية مساحة تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، حيث يلتقي الناس على المعرفة، والخبرة، والمصالح المهنية، وحتى الفضول الإنساني تجاه تجارب الآخرين.
ولهذا لم تعد المنتديات والمعارض وملتقيات صناع المحتوى مجرد تجمعات تنتهي بانتهاء أيامها، وأصبحت أدوات تصنع الحضور والتأثير، وتكشف أي الدول استطاعت أن تتحول إلى نقطة جذب حقيقية للعالم.
وفي الإمارات، لم تُبنَ هذه المكانة من فراغ، ولم تصنعها القاعات الفاخرة أو التنظيم وحده، وإنما تأسست أولا داخل المجتمع نفسه، حين ترسخت قيم التسامح والتعايش والانفتاح كجزء من الهوية اليومية للدولة.
ومع الوقت، أصبح الترحيب بالضيوف، واحترام اختلافهم، التعامل معهم بصورة تعكس رقي المجتمع واتساعه الإنساني جزءا من طبيعة المشهد الإماراتي، وهو ما منح هذه المحافل روحها الحقيقية، وحولها إلى بيئة يشعر فيها القادم من أي مكان أنه مرحب به، مهما اختلفت خلفيته أو جنسيته أو أفكاره.
ولهذا تحولت الإمارات خلال السنوات الماضية إلى محطة يقصدها الإعلاميون، وصناع المحتوى، والباحثون، والمتخصصون من اتجاهات متعددة وخلفيات مختلفة، بعضهم يأتي للمشاركة، وبعضهم للحوار، وبعضهم لاكتشاف تجربة صنعت لنفسها حضورا عالميا يصعب تجاهله.
ومع كل فعالية كبرى، يتكرر مشهد آخر مواز… حملات تخوين وهجوم تستهدف بعض المشاركين من أبناء دولهم، فقط لأنهم حضروا، أو شاركوا، أو قبلوا دعوة، وكأن التواصل المهني أصبح موقفا سياسيا، وكأن الظهور في منصة ناجحة يحتاج إلى تصريح أيديولوجي مسبق.
المفارقة أن هذه الحملات لا تناقش محتوى المشاركة بقدر ما تنشغل بفكرة المشاركة نفسها، في محاولة لتصوير أي حضور في الإمارات كأنه تنازل، أو اصطفاف، أو موقف يجب الاعتذار عنه.
والأكثر لفتا أن كثيرا من هذه الشخصيات نفسها تشارك في مؤتمرات ومنتديات وفعاليات حول العالم دون أن يلاحقها أحد بهذا القدر من التخوين، وكأن المشكلة ليست في المشاركة ذاتها، وإنما في الجهة التي استطاعت أن تتحول إلى مركز جذب وتأثير يحضر إليه الناس بإرادتهم الكاملة.
وهنا تظهر الفجوة الحقيقية بين عقلية ترى الانفتاح مساحة قوة، وأخرى تتعامل مع أي تواصل خارجي وكأنه تهديد يجب محاصرته.
فالإنسان الذي يشارك في فعالية دولية لا يفقد هويته، والإعلامي الذي يحضر منتدى في دولة أخرى لا يبدل انتماءه، وصانع المحتوى الذي يزور معرضا أو مؤتمرا لا يتحول إلى تابع لمجرد أنه حضر.
العالم اليوم يقوم على التشبيك، وتبادل الخبرات، وصناعة العلاقات العابرة للخلافات السياسية.
أما تحويل كل مساحة مهنية إلى ساحة ولاء وعداء، فهو انعكاس لخطاب مرتبك يخشى الانفتاح أكثر مما يفهمه.
فالدول الواثقة تصنع منصات تستقبل العالم، أما الخطابات المأزومة فتنشغل بمحاكمة الناس على صور المؤتمرات وتذاكر السفر.
والإمارات، لم تبنِ هذه المحافل لتكون غرفا مغلقة تُردد الصوت نفسه، وإنما صنعت منصات قادرة على استضافة العالم بعقلية تعرف كيف تدير الاختلاف، ولهذا أصبحت وجهة يختارها كثيرون بإرادتهم الكاملة، لأن التجارب الناجحة تفرض حضورها، والمجتمعات الواثقة من نفسها تعرف كيف تستقبل العالم دون أن تفقد ملامحها.
وربما لهذا تحديدا، يبدو بعض الغضب أبعد من مجرد خلاف وأقرب إلى حساسية يثيرها مشهد الناس وهم يتجهون طوعا نحو مساحة جعلت الانفتاح جزءا من قوتها، ونجحت في أن تصبح وجهة يحضر إليها العالم دون أن يُستدعى.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة