مؤتمر برلين حول السودان يعيد طرح «الحل المدني» في مواجهة «الانقلاب» (خبراء)
إضافة للتعهدات الضخمة التي التزم بها المشاركون في مؤتمر برلين حول السودان، أعاد المؤتمر طرح "الحل المدني" في مواجهة "انقلاب الإخوان".
المؤتمر الذي عقد فيما تدخل الحرب في السودان عامها الرابع، خلص إلى تعهدات بمساعدات إنسانية تخطت مليار ونصف المليار دولار، وسط دعوات لوقف الحرب، لكن الأهم أنه طرح على مائدته مسار سياسي لمستقبل الحكم في السودان بعد انتهاء الحرب.
وعقد المؤتمر بأمل جمع أكثر من مليار دولار للمساعدة في حل أكبر أزمة إنسانية في العالم، لكنه شهد تعهدات بأكثر من 1.5 مليار دولار.
نداء مشترك
وقال الخبير في الشؤون السودانية عثمان ميرغني لـ"العين الإخبارية" إن المسار السياسي الذي تبنى "النداء المشترك" يعد من أبرز مخرجات المؤتمر.
وأضاف ميرغني أن الجلسة الرسمية الرئيسية في المؤتمر سُمح فيها بمشاركة مجموعة من المدنيين كمراقبين، وألقى ثلاثة من ممثلي الكتل المدنية كلمات خلال الجلسة الرسمية، لافتا إلى أن المسار الإنساني تمثل في عقد جلسة شهدت إعلان التعهدات الإنسانية التي تبقى رهينة بفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات، لافتا إلى أن المسار الإنساني عموما جاء إيجابيا، من حيث التذكير بمأساة السودان واستصراخ العالم من أجل التعامل معها.
واعتبر أن "الميثاق السياسي" الذي تبناه السودانيون في برلين يعد من أهم إنجازات المؤتمر، موضحا أن ورشة عمل كانت قد عقدت في أديس أبابا على مدار يومين قبل مؤتمر برلين، تحت عنوان "الاجتماع التحضيري لمؤتمر برلين" خلصت إلى إعداد وثيقة تبناها منبر برلين بالكامل، بعد إدخال تعديلات طفيفة عليها.
وأوضح أن الوثيقة عنوانها: "نداء مشترك لاستعادة العملية السياسية بملكية سودانية"، مشيرا إلى أنها تعبر عن إجماع القوى المدنية حول حل سياسي للأزمة، والعودة إلى الحكم المدني، لكن تبقى المعضلة في ترجمة هذا إلى خطة عمل بآليات واضحة.
وتابع: "مسار برلين وصل إلى تفاهمات حول عملية سياسية يملكها السودانيون والوثيقة تحتوي على إجماع وطني مدني، لكن لا بد أن يكون هناك عمل مشترك لتنفيذها"، لافتا إلى أن تلك الآليات "إما ستكون سودانية وإما من خلال الاعتماد على الفاعلين الدوليين والإقليميين".
أسس التحول
من جانبه، قال المحلل السياسي السوداني سيبويه يوسف، في حديث لـ"العين الإخبارية"، إن أهم ما في المؤتمر أنه أسس لمستقبل التحول الديمقراطي في السودان القائم على الحكم المدني، ونزع الشرعية التي تتدثر بها حكومة الأمر الواقع في بورتسودان رغم انقلاب أكتوبر/تشرين الأول 2021، في إشارة إلى إطاحة الجيش السوداني الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك.
ومثل المؤتمر فرصة لتحالف "صمود" الذي يقود الكتلة المدنية الرافضة للحرب في السودان، لعرض وجهة نظره، خلال لقاءات عقدها رئيس التحالف عبدالله حمدوك، مع عدد من المسؤولين الدوليين.
وجدد حمدوك، وفق بيان للتحالف، خلال لقاءات عقدها على هامش المؤتمر، على دعمه لخريطة طريق "الرباعية" (الإمارات والسعودية ومصر وأمريكا)، والتنسيق مع الآلية الخماسية (الاتحادان الأفريقي والأوروبي والأمم المتحدة والجامعة العربية وتجمع إيغاد) وجميع المبادرات الإقليمية والدولية لضمان وجود مظلة واحدة تيسر وتنسق عملية السلام.
نزع الشرعية
وقال يوسف إن حكومة بورتسودان ترفض المؤتمر، لأنه ينزع عنها الشرعية، إذ تخشى من مخرجاته، خصوصا "التحول المدني الديمقراطي" والعودة إلى "منصة التأسيس والوثيقة الدستورية التي تحمل شرعية الحكم" وانقلب عليها الجيش بقيادة الحركة الإسلامية، ذراع الإخوان في السودان، والقوى المتحالفة مع قائد الجيش عبدالفتاح البرهان.
وأضاف أن المجتمع الدولي يسير في اتجاه إعادة ترتيب الأوراق في السودان ودعم واقع جديد بعد الحرب، يقوم على "الحل المدني" في البلد الذي مزقته الحرب.
وتابع: "هذا الأمر لا يخدم أجندة دعاة الحرب في التيار الإسلامي وسلطة الأمر الواقع في بورتسودان التي تسعى إلى مواصلة الحرب للاستمرار في السلطة".
وأشار إلى أن المؤتمر أعاد السودان على طاولة اهتمامات المجتمع الدولي، وسط انشغال العالم بالحرب في إيران، وأطلق مسارا سياسيا في قت مهم جدا بعدما أخذت الأزمة منحى خطيرا باستهداف المدنيين على نحو غير مسبوق.
وأكد أهمية التصدي لكل محاولات الإخوان وقف هذا المسار السياسي وعرقلته، مشددا على ضرورة المضي قدما في هذا المسار، الذي يبدأ بوقف الحرب وتسليم السلطة للمدنيين والعودة إلى الوثيقة الدستورية الحاكمة للمرحلة الانتقالية في السودان التي انقلب عليها الجيش والإخوان، لافتا إلى أن الإسلاميين وأنصارهم في الجيش يسعون إلى تسويف الموقف الدولي وتضليل الرأي العام العالمي والمحلي.
وقال: "هذا المؤتمر يتسق مع رؤية الجبهة المدنية من أحزاب ومجتمع مدني، ويعد أحد أهم المنابر لتوحد تلك الرؤية حول مستقبل الحكم بعد الحرب، ولذلك سيكون له ما بعده. في برلين بدأت صياغة مسار سياسي لمستقبل الحكم في السودان دون وصاية من أي حزب أو حركة".
أهداف المؤتمر
ووفق وزارة الخارجية الألمانية، فإن المؤتمر يوفر منبراً لممثلي المدنيين من مختلف الكتل السياسية لمناقشة سبل الانتقال المدني وآفاق إقامة نظام ما بعد الحرب ذي شرعية ديمقراطية.
وقالت وزارة الخارجية الألمانية، إن المؤتمر يهدف إلى ضمان عدم نسيان معاناة شعب السودان وأن تظل مساعي السلام على جدول الأعمال السياسي الدولي.
وأوضحت أن المؤتمر يهدف إلى إحراز تقدم في جهود السلام وحشد المزيد من المساعدات الإنسانية العاجلة للسكان المدنيين المتضررين في السودان،
وأكدت أنه من الضروري مواصلة تصعيد الضغط على الأطراف المتحاربة لتحقيق وقف إطلاق النار في أسرع وقت ممكن، وتيسير العودة إلى طاولة المفاوضات.
وشارك في المؤتمر وفود من أكثر من 60 دولة وممثلون عن أكثر من 50 منظمة غير حكومية سودانية ودولية، بالإضافة إلى ممثلين عن عدد كبير من منظمات الأمم المتحدة والمؤسسات المالية الدولية.
النتائج
وانطلق المؤتمر على أمل تعهدات من المانحين بمليار دولار للمساعدات الإنسانية، لكن وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول قال إنه جمع التزامات تمويلية للسودان بقيمة تربو على 1.3 مليار يورو، أكثر من (1.53 مليار دولار).
وأعلن الوزير الألماني أن بلاده تعهدت من جانبها بتقديم نحو 250 مليون دولار مساعدات إنسانية للسودان.
من جانبه، أكد مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس أن واشنطن قدمت 579 مليون دولار أمريكي كمساعدات إنسانية للسودان في عام 2025، وأنها تعهدت بالفعل بتقديم 200 مليون دولار العام الجاري.
وشدد على أن الولايات المتحدة تركز جهودها على العمل على آلية تابعة للأمم المتحدة لإنهاء الصراع.
وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي خذل الدولة الأفريقية، داعية إلى "ممارسة كل الضغوط الممكنة على الطرفين المتحاربين للتوصل إلى وقف إطلاق نار عاجل نحن بأمس الحاجة إليه"، مؤكدة ضرورة تقديم الدعم الإنساني.
من جهته، دعا رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمد علي يوسف إلى مزيد من التركيز الإعلامي على "الأزمة الإنسانية الكارثية" التي خلفتها الحرب.
من جانبه، قال المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى السودان، بيكا هافيستو، إن مؤتمر برلين بالغ الأهمية لدعم وصول المساعدات الإنسانية إلى البلاد ووقف الحرب.
وأضاف: "أعتقد أن اجتماع اليوم في برلين فرصة ممتازة، مرة أخرى، للدعوة إلى هدنة إنسانية تمكن العاملين في المجال الإنساني من إيصال المساعدات إلى المواطنين السودانيين، وكذلك لوقف هذا النوع من الحروب واستخدام أسلحة خطيرة للغاية كالطائرات المسيرة على الجبهة".
تفاصيل الاتفاق
وحصلت «العين الإخبارية» على بنود مسودة الاتفاق التي توافق عليها الأطراف وتضمنت:
1. إنهاء الحرب والحد من جميع أشكال العنف
- بذل جهود أحادية الجانب ومنسقة لخفض حدة النزاع وإنهاء أي أوضاع تتنافى مع وحدة السودان وسيادته على كافة أراضيه، ومنع توسع النزاع إلى مناطق جديدة في السودان أو خارج حدوده؛
- كبح وتجريم خطاب الكراهية وتجنب لغة مجافية للإنسانية؛
- خلق مناخ داعم لبناء الثقة بين السودانيين؛
- دعم جهود إطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات تعسفًا والأسرى والمخفيين قسرًا.
2. حماية المدنيين والبنية التحتية الوطنية
- تعزيز الالتزام بالقانون الدولي الإنساني؛ وحظر الهجمات العشوائية والتشريد القسري والعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي المرتبط بالنزاع؛
- ضمان حرية تنقل المدنيين والمدنيات، وتأمين الخدمات الأساسية للنساء والأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة في كل أنحاء السودان؛
- المطالبة بالالتزام بعدم استهداف المدنيين، المستشفيات، المدارس، الأسواق، محطات الكهرباء، محطات المياه، الجسور، وجميع البنى التحتية المدنية؛
- تسهيل العودة الآمنة والطوعية للنازحين واللاجئين؛
- وقف إطلاق نار شامل في كل أنحاء السودان؛
- توفير الحماية للعاملين في الحقل الإنساني في كافة أنحاء البلاد؛
- إنشاء آليات لمراقبة وتوثيق ورفع تقارير أي انتهاكات جنسية وأي عنف مبني على النوع الاجتماعي.
3. تسهيل وصول المساعدات الإنسانية
- التعاون بشكل عاجل مع المبادرات الدولية والمحلية، بما في ذلك الجهود الجارية من أجل هدنة إنسانية، لإنهاء المعاناة التي يئن تحت وطأتها الرجال والنساء والأطفال السودانيون؛
- تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وتوزيعها بشكل آمن وسريع ودون عوائق في جميع أنحاء البلاد، مع مراعاة النوع الاجتماعي وإشراك النساء في توزيع المساعدات؛
- إزالة العوائق التي قد تؤثر على الاستجابة الإنسانية؛
- الالتزام بإعادة تأهيل المرافق الصحية والتعليمية والخدمية ومرافق البنية التحتية؛
- إتاحة وصول المدخلات الزراعية الاستراتيجية الممولة من المانحين إلى كافة أنحاء البلاد؛
- تعميم تحصين الأطفال في جميع أنحاء السودان؛
- حث المجتمع الدولي والمانحين على الوفاء بالتزاماتهم وتعهداتهم المالية؛
- دعوة المجتمع الدولي والمانحين لتقديم الدعم للسودانيين والسودانيات اللاجئين والنازحين؛
- الدعوة للالتزام بعقد امتحانات وطنية موحدة في جميع أنحاء السودان وفي الخارج.
4. عملية موثوقة نحو الحكم المدني الديمقراطي
- دعم إرساء مسار سياسي واضح وموثوق وشامل لمعالجة جذور الأزمة وضمان القيادة المدنية؛
- تشجيع الحوار الشامل بين الأطراف السودانية المعنية لبناء فهم مشترك حول الترتيبات المدنية الانتقالية والحكم المستقبلي؛
- ضمان أن تكون أي عملية سياسية قائمة على الشمولية والعدالة وسيادة حكم القانون واحترام الحقوق والحريات الأساسية والمواطنة المتساوية ومراعاة تنوع السودان؛
- تشجيع اتخاذ خطوات عملية ومتسلسلة كفيلة ببناء الثقة نحو سلام عادل والاستقرار بين جميع السودانيين والسودانيات، وبمشاركة واسعة من النساء والشباب والنازحين واللاجئين.
5. عملية سياسية ذات ملكية سودانية
- إعادة التأكيد على أن أي حل للأزمة السودانية يجب أن يكون بقيادة وملكية سودانية، بحيث يعكس تطلعات الشعب السوداني ويحافظ على وحدة السودان وسيادته؛
- تعزيز عملية شاملة على نطاق واسع تضمن المشاركة الفعالة للنساء والشباب والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية والسكان النازحين واللاجئين؛
- تشجيع اتباع نهج شامل يعالج الأبعاد السياسية والإنسانية والأمنية والاقتصادية والمتعلقة بالعدالة؛
- دعم عملية متسلسلة ومتعددة المسارات تتيح مجالًا لبناء التوافق بين الأطراف المدنية المعنية إلى جانب الجهود الرامية إلى إنهاء النزاع؛
- تشجيع إنشاء آليات تحضيرية شاملة يقودها السودانيون للمساعدة في تصميم وتنظيم العملية السياسية ووضع الأجندة واختيار المشاركين؛
- تضمين الأجندة النسوية والشبابية خلال كل المراحل.
6. الدعم الدولي المنسق والمستدام
- التأكيد على أن الدعم الدولي يجب أن يكون موحدًا ومتكاملًا ومنسقًا، مع تجنب الازدواجية أو التجزئة؛
- ضمان أن يكون هذا الدعم مستجيبًا لأولويات السودانيين ويأخذ في الاعتبار الاحتياجات المبنية على النوع ويعزز الملكية الوطنية؛
- تشجيع الشركاء على الاستفادة من مزاياهم النسبية لدعم المسارين السياسي والإنساني؛
- التأكيد على أهمية التنسيق بين مختلف الجهود والمبادرات الإقليمية والدولية بما يدعم عملية يقودها السودانيون ويعزز فعاليتها؛
- مطالبة المجتمع الدولي بمنع تدفق السلاح.
7. العدالة والعدالة الانتقالية والمحاسبة
- ضمان قيام حكومة ديمقراطية منتخبة شرعيًا بإطلاق عملية شاملة للعدالة الانتقالية في السودان؛
- الاتفاق على مبدأ عدم الإفلات من العقاب؛
- ضرورة محاسبة الجناة الذين ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في السودان.
عكس التيار
وكعادتها، سارت سلطات بورتسودان عكس التيار، فأصدرت وزارة خارجيتها الأربعاء بيانا انتقدت فيه انعقاد المؤتمر، وقالت: "نستغرب أن تجيء هذه الخطوة المغلفة باهتمام بالشأن الإنساني دون تشاور وتنسيق مع حكومة السودان ودعوتها، وتجاهل الرؤى المطروحة من الدولة السودانية ومؤسساتها الرسمية".