«منتدى الاقتصاد الأزرق» في أبوظبي.. 100 مليار دولار لاستثمار مستقبل المياه والمحيطات
في لحظة فارقة يشهد فيها العالم تصاعدا غير مسبوق في التحديات البيئية والمناخية، يبرز "منتدى الاقتصاد الأزرق" كمنصة دولية جديدة تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بين التنمية الاقتصادية وحماية الموارد المائية والبحرية.
يضع "منتدى الاقتصاد الأزرق" هدفا طموحا يتمثل في توفير استثمارات تصل إلى 100 مليار دولار في مجالات المياه والمحيطات بحلول عام 2030، في خطوة تعكس تحولا نوعيا في التفكير الاقتصادي العالمي.
ويقام المنتدى بالشراكة بين "أسبوع أبوظبي للاستدامة" و"اتحاد رجال الأعمال الصينيين الدوليين"، ليجمع تحت مظلته رؤساء دول، ونخبة من قادة القطاعات الاقتصادية، والمستثمرين، والمبتكرين، وصناع السياسات من مختلف أنحاء العالم، في محاولة جادة لتأسيس نموذج اقتصادي جديد يعترف بالمياه والمحيطات بوصفها منظومة واحدة مترابطة تشكل ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأزرق».
وجاء الإعلان عن إطلاق "منتدى الاقتصاد الأزرق" الأول خلال منتدى التعاون التجاري والاقتصادي الإماراتي-الصيني، الذي عقد ضمن فعاليات معرض الصين الدولي للاستيراد في عام 2025، ليؤكد عمق الشراكة المتنامية بين أبوظبي وبكين، ليس فقط على مستوى التجارة والاستثمار، بل أيضا في صياغة حلول عالمية لقضايا الاستدامة وأمن الموارد.
تجمع دولي عالمي
ويعقد المنتدى رسميا ضمن فعاليات أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، وذلك في مركز أبوظبي الوطني للمعارض (أدنيك)، ليشكل أحد أبرز المحاور الجديدة للأسبوع الذي بات يصنف كواحد من أهم التجمعات الدولية المعنية بالاستدامة والطاقة والتحول الأخضر.
ويقدم المنتدى تصورا متقدما للاقتصاد الأزرق، لا يقتصر على الأنشطة البحرية التقليدية، بل يدمج النظم المائية العذبة والساحلية والبحرية ضمن إطار واحد، باعتبارها منظومة بيئية واقتصادية مترابطة، تلعب دورا حاسما في دعم الأمن الغذائي، وتنظيم المناخ، وتعزيز التجارة العالمية، وخلق فرص العمل.
ما هو الاقتصاد الأزرق؟
ويشمل الاقتصاد الأزرق طيفا واسعا من القطاعات، من بينها النقل البحري، والسياحة الساحلية، وصيد الأسماك وتربية الأحياء المائية، والتكنولوجيا الحيوية البحرية، واستخراج الموارد، والطاقة المتجددة البحرية مثل طاقة الرياح والأمواج والمد والجزر. غير أن العديد من هذه القطاعات، رغم أهميتها الاقتصادية، تُسهم في الوقت نفسه في إنتاج انبعاثات ضارة، ما يجعل الانتقال إلى نماذج أكثر استدامة أمرا ملحا.
ويهدف المنتدى رفيع المستوى إلى تحفيز الشراكات الدولية والاستثمار في الإدارة المستدامة للمياه، مع تركيز خاص على الابتكار والتمويل والتعاون في صياغة السياسات. كما يسعى إلى جمع نخبة من المؤسسات الصينية الرائدة إلى جانب قادة الفكر وصناع القرار من منطقة آسيا والمحيط الهادئ والشرق الأوسط ومناطق أخرى، لاستكشاف الفرص القادرة على إحداث تحوّل نوعي في أمن المياه العالمي.
وفي إطار هذه الشراكة، سيتم استضافة الشركات العارضة من منطقة آسيا والمحيط الهادئ ضمن جناح اتحاد رجال الأعمال الصينيين الدوليين خلال أسبوع أبوظبي للاستدامة 2026، مع التركيز على استقطاب شركات التكنولوجيا المتقدمة وتعزيز الشراكات العابرة للحدود في مجالات الاستدامة والابتكار البيئي.
حجم الاقتصاد الأزرق
وتأتي أهمية المنتدى في توقيت بالغ الحساسية، إذ يقدر حجم الاقتصاد الأزرق العالمي بنحو 2.5 تريليون دولار سنويا، ما يجعله أحد أكبر القطاعات الاقتصادية غير المستغلة بالكامل.
غير أن هذا الاقتصاد يقف اليوم، بحسب مراقبين، على مفترق طرق، إما الاستمرار في نماذج التشغيل التقليدية ذات التكلفة البيئية والاجتماعية المرتفعة، أو التحول إلى نموذج مستدام يجعل من المحيطات حليفا رئيسيا في مواجهة تغير المناخ وفقدان التنوع البيولوجي.
وفي هذا السياق، دعا أوليفييه ويندن، نائب رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لمؤسسة الأمير ألبرت الثاني أمير موناكو، في مقال رأي بمجلة فورتشن، إلى «صحوة جماعية» للاستثمار المكثف في جعل المحيط محركا مستداما للازدهار العالمي، مؤكدا أن حماية المحيط ليست عبئا اقتصاديا، بل فرصة تنموية من الدرجة الأولى.
ورغم التقدم الملحوظ على مستوى السياسات الدولية، مثل دخول معاهدة أعالي البحار حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2026، والتعهد العالمي بحماية 30% من الأراضي والبحار بحلول 2030، وحظر إعانات الصيد الضارة، والجهود الرامية للحد من انبعاثات الشحن والتوصل إلى معاهدة عالمية للبلاستيك، فإن التحدي الأكبر لا يزال يكمن في ترجمة هذه الالتزامات إلى استثمارات فعلية.
فالسياسات وحدها لا تكفي، ما لم تقترن بموارد مالية، وأدوات تمويل مبتكرة، وقدرة على توسيع نطاق الحلول الناجحة.
حلول عالمية
وعلى مستوى العالم، يقود رواد أعمال ومبتكرون موجة جديدة لإعادة بناء الاقتصاد الأزرق، من خلال حلول تشمل التغليف القابل لإعادة التدوير والتحلل الحيوي، وأنظمة إدارة النفايات المتطورة، وتربية الأحياء المائية منخفضة الأثر البيئي، ومصايد الأسماك المجتمعية، والسياحة المتجددة، والتقنيات النظيفة للشحن، والبنية التحتية الساحلية المصممة هندسيًا بطريقة صديقة للبيئة.
كما بدأت أدوات تمويل جديدة، مثل السندات الزرقاء والتمويل المختلط، في لعب دور متزايد في جمع رؤوس الأموال لحماية المحيطات، وخلق نظام بيئي استثماري يتيح للمستثمرين تحقيق عوائد مالية مترافقة مع أثر بيئي واجتماعي ملموس.
ويطرح "منتدى الاقتصاد الأزرق" في أبوظبي رؤية واضحة تقوم على عدة ركائز، أبرزها التعامل مع المحيط باعتباره سوقا استثماريا استراتيجيا، وليس مجرد مورد طبيعي. فالمحيطات تنظم المناخ، وتدعم التجارة العالمية، وتغذي المجتمعات، ما يجعل الاستثمار في استعادة النظم البيئية والنقل البحري الأخضر والأنظمة الغذائية البحرية المستدامة ضرورة اقتصادية لا خيارا ثانويا.
كما يشدد المنتدى على أهمية توسيع نطاق التمويل المختلط الهادف، وتوحيد معايير البيانات وقياس الأثر، وتحويل الابتكارات المبكرة إلى أصول اقتصادية راسخة قادرة على خلق فرص عمل وتعزيز القدرة على الصمود.
صياغة المستقبل
بهذا الزخم الدولي، يرسخ "منتدى الاقتصاد الأزرق" موقع أبوظبي كمنصة عالمية لصياغة مستقبل أكثر توازنا بين التنمية وحماية الموارد الطبيعية، مؤكدا أن الاستثمار المتناغم مع الطبيعة لم يعد خيارا أخلاقيا فحسب، بل أصبح أحد أعمدة الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين.
وفي عالم لا يحتمل مزيدا من التأجيل، يبعث المنتدى برسالة واضحة: المحيطات لا يمكنها الانتظار، والفرصة متاحة الآن لتحويل التحديات إلى محركات نمو مستدام يخدم البشرية والكوكب معا.
الإمارات حاضرة بقوة
بدوره رسخ القطاع البحري في الإمارات مكانته العالمية الرائدة من خلال مبادرات ومشاريع نوعية تضع الاستدامة في صميم سياساته التنموية، مما يعزز من مساهمته في بناء اقتصاد وطني مستدام قائم على الابتكار وحماية الموارد البيئية.
ووفقا لوزارة الطاقة والبنية التحتية، تشغّل دولة الإمارات حالياً 106 موانئ في 78 دولة، وتتجاوز مناولتها السنوية 21 مليون حاوية، مع مساهمة تجاوزت 135 مليار درهم في الناتج المحلي، مما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا القطاع اقتصادياً.
ويطبق القطاع البحري في دولة الإمارات سياسات متكاملة لإدارة النفايات البحرية وتدوير السفن، وفي هذا السياق، أطلقت وزارة الطاقة والبنية التحتية مؤخرا، ضمن الحزمة الثالثة من المشاريع التحولية، مشروع "الواحة الخضراء للجلافة"، الذي يُعد أول مبادرة من نوعها في المنطقة تُشرّع عمليات تدوير السفن خارج الشواطئ بطريقة آمنة وصديقة للبيئة، كما أصدرت الوزارة لائحة تنظيمية شاملة تُعنى بالتقطيع الآمن للسفن، بما يضمن حماية البيئة وسلامة العاملين، ما يجعل الإمارات من الدول القليلة التي تطبّق مثل هذه التشريعات المتقدمة.