اعتذار البرهان للأطباء.. إقرار متأخر بانتهاكات الجيش بمستشفيات السودان
اعتذار متأخر لن يُحيي الأطباء الموتى، ولن يُعيد للكادر الصحي قوته، ولن يمحو أثر الخوف الذي تسلّل إلى أروقة المستشفيات أو يبني ما تهدم منها، قدمه قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان.
الاعتذار الذي جاء على وقع ضغوط دولية في مؤتمر بأحد الفنادق، تضمن اعترافا منقوصا لم يسمِ الأشياء بمسمياتها وتعمد التقليل من خطورة ممارسات موثّقة طالت الأطباء والمرافق الصحية خلال الحرب.
واكتفى البرهان بوصف جرائم القتل برصاص الجيش والفصائل المسلحة من الإخوان والحركة الإسلامية المنضوية ضمن صفوفه والترويع والخطف للكوادر الطبية بـ«الغلظة»، في محاولة لتخفيف حدة الانتهاكات، في وقت تشير فيه الأرقام إلى واقع أكثر قسوة، يتجاوز بكثير مجرد التجاوزات الفردية.
تسييس القطاع الصحي
وفي مفارقة لافتة، تزامن الاعتذار مع نفي رسمي لاستهداف المؤسسات الصحية، وهو ما يعمّق التناقض بين الرواية السياسية والوقائع الميدانية.
كما جاءت إشادة البرهان بدور الأطباء، مقرونة بالإشارة إلى مساهمتهم في تقديم معلومات عسكرية، تكشف عن تداخل خطير بين العمل الطبي والعمليات العسكرية، واستغلاله الكوادر الطبية للعمل العسكري.
خسائر ثقيلة وانتهاكات متكررة
وتشير بيانات نقابية إلى مقتل أكثر من 200 كادر طبي وإصابة المئات، إلى جانب تدمير آلاف المرافق الصحية، فيما وثّقت منظمة الصحة العالمية مئات الهجمات على منشآت الرعاية الصحية.
ففي شرق دارفور، تعرّض مستشفى الضعين التعليمي لقصف دموي من قوات الجيش السوداني أسفر عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم مرضى وأطفال وكوادر طبية، ما أدى إلى خروجه الكامل عن الخدمة، في ضربة اعتُبرت من أكثر الحوادث تأثيرًا على القطاع الصحي في الإقليم. ولم يكن هذا الاستهداف حادثًا منفردًا، بل جاء ضمن سلسلة هجمات طالت منشآت طبية في مناطق متفرقة.
وفي شمال دارفور، برزت واقعة قصف مستشفى الزُرُق كأحد أبرز الأمثلة على استهداف المرافق الصحية، حيث أدى القصف إلى تدمير المستشفى الوحيد في المنطقة بالكامل، ومقتل أكثر من 64 مدنيًا، بينهم كوادر طبية كانت تقدم الخدمات لسكان المنطقة.
وبالتزامن مع ذلك، استُهدف سوق في منطقة غرير خلال وقت الذروة، ما أسفر عن سقوط عشرات القتلى من المدنيين، بينهم نساء وأطفال، في حادثة عكست اتساع نطاق الضربات لتشمل ليس فقط المرافق الصحية، بل أيضًا مصادر حياة السكان.
وتشير تقارير ميدانية إلى أن هذه الهجمات لم تكن معزولة، بل تكررت في سياقات مختلفة، ما أدى إلى إغلاق مئات المرافق الصحية أو تدميرها جزئيًا، في وقت كانت فيه البلاد تعاني أصلًا من ضعف البنية الطبية. وقد أسهم ذلك في حرمان ملايين السودانيين من الوصول إلى الخدمات العلاجية الأساسية، خصوصًا في مناطق النزاع.
ووفق معطيات منظمة الصحة العالمية، تم توثيق مئات الهجمات على مرافق الرعاية الصحية خلال سنوات الحرب، أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، بينهم عدد كبير من الكوادر الطبية، ما يعكس حجم التدهور الذي أصاب هذا القطاع الحيوي.
كما أدت هذه الضربات إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، حيث لم يقتصر تأثيرها على الخسائر المباشرة، بل امتد ليشمل انهيار منظومة الإسعاف والعلاج، وتوقف العمليات الجراحية والخدمات الطارئة في العديد من المناطق، ما جعل المدنيين يواجهون مصيرهم دون أي غطاء صحي.