دبلوماسية الظل.. الصين تدير توربينات السلام بعاصفة إيران
مع اندلاع حرب إيران، سعت الصين إلى ترسيخ مكانتها كصانعة سلام، مع الحرص في الوقت نفسه على النأي بنفسها عن ذلك التصعيد.
جهود حاولت من خلالها بكين، تجنب أي توتر مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تقديم نفسها كقوة عظمى مسؤولة، بحسب صحيفة «واشنطن بوست».
موقف عبرت عنه وزارة الحارجية الصينية يوم الثلاثاء، على لسان المتحدث باسمها غو جياكون، والذي قال: «تؤمن الصين بأن وقف إطلاق النار الكامل هو السبيل الوحيد لخلق ظروف من شأنها تهدئة الوضع».
ويُعدّ مبدأ عدم التدخل ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لبكين. وقال ريان هاس، المدير السابق لشؤون الصين وتايوان ومنغوليا في مجلس الأمن القومي، إن بكين لا ترغب في رفع سقف التوقعات بشأن أي مسؤوليات جديدة قد تكون مستعدة لتحملها لتحقيق الاستقرار في المنطقة.
هاس، الذي يرأس الآن مركز جون إل. ثورنتون للصين في معهد بروكينغز، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، قال: للصين علاقات عديدة في الشرق الأوسط تسعى إلى تحقيق التوازن فيها. وقد عقدت اجتماعات دبلوماسية مع دول الخليج في الأسابيع الأخيرة، في محاولة للعب دور بنّاء كدولة مسؤولة».
ومع ذلك، لا تزال هناك مخاطر تواجه بكين إذا ما طالت الحرب. فبينما تتمتع الصين بوضع أفضل من غيرها من الدول الآسيوية المعتمدة على النفط بفضل احتياطياتها الاستراتيجية الهائلة وهيمنتها على سلاسل إمداد الطاقة المتجددة، إلا أنها أكبر مُصدِّر في العالم، وليست بمنأى عن الاضطرابات الاقتصادية الناجمة عن حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط.
أمن هرمز
وقال وانغ ييوي، الدبلوماسي الصيني السابق ومدير معهد الشؤون الدولية في جامعة رينمين الصينية، إن الصين، أكبر مشترٍ للنفط الإيراني، لديها أيضاً مصلحة كبيرة في أمن مضيق هرمز، وهو نقطة اختناق استراتيجية يمر عبرها جزء كبير من النفط والغاز العالمي.
وانغ أضاف: «لدى الصين استثمارات ضخمة في المنطقة، تشمل مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية ومشاريع الربط، وقد تأثرت جميعها بشكل كبير بالصراع. وتأمل الصين في وقف الصراع أولاً، ثم معالجته عبر المفاوضات، دون أن يمتد تأثيره إلى الاقتصاد العالمي الأوسع».
ويُعدّ التوقيت بالغ الحساسية بالنسبة لبكين، التي تستعد لاستضافة ترامب الشهر المقبل في أول لقاء يجمعه مع شي جين بينغ منذ نحو عقد من الزمان.
وتتمثل أولوية الصين في استقرار العلاقات مع واشنطن بعد التوترات التجارية. ولذلك، تسعى بكين، بحسب خبراء، إلى تجنب أي إجراءات داعمة لإيران قد تُعرّض العلاقات مع ترامب للخطر.
من جانبه، لم يبدُ أن ترامب متأثراً بخطاب بكين، إذ نشر على موقع «تروث سوشيال»، قائلاً: «الصين سعيدة للغاية بفتحي الدائم لمضيق هرمز. أفعل ذلك من أجلهم أيضاً، ومن أجل العالم أجمع... سيُعانقني الرئيس شي بحرارة عندما أصل إلى هناك خلال أسابيع قليلة. نحن نعمل معاً بذكاء».
وبحسب شي غانغ تشنغ، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والصين ومدير مركز الأمن الخارجي بجامعة تسينغهوا في بكين، فإن إيران وإسرائيل ليستا محور تركيز الدبلوماسية الصينية في الشرق الأوسط، إذ تنظر إليهما بكين على أنهما دولتان «تدفعهما الصراعات».
وأوضح أن بكين تعتبر دول الخليج شركاء استراتيجيين أكثر أهمية على المدى الطويل، لأنها توفر تعاوناً دبلوماسياً واقتصادياً أكثر استقراراً.
دعم الوساطة
وقال تشو يونغبيو، الأستاذ في كلية السياسة والعلاقات الدولية بجامعة لانتشو، إن الصين لا تعتبر نفسها «الوسيط الرئيسي»، لكنها على استعداد لدعم الوساطة مع تجنب «صب الزيت على النار».
فعلى سبيل المثال، بعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد في التوصل إلى اتفاق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات هاتفية مع نظرائه في المنطقة لدعم استمرار المفاوضات، وحث الأطراف على «الحفاظ على الزخم الذي تحقق بشق الأنفس» لوقف إطلاق النار.
وتستغل الصين الآن علاقاتها العسكرية والاقتصادية العميقة مع باكستان لكي يكون لها صوت في جهود الوساطة دون تدخل مباشر.
لكن على الصعيد العلني، اقتصر تعاون الصين مع باكستان على إصدار مبادرة من خمس نقاط لاستعادة السلام والاستقرار، تدعو إلى وقف فوري للأعمال العدائية واستعادة الممر الآمن عبر مضيق هرمز في نهاية المطاف.
في خضم تعاملها مع الصراع الإيراني، تراقب بكين عن كثب القمة المرتقبة بين ترامب وشي.
وقال تشاو مينغهاو، نائب مدير مركز الدراسات الأمريكية في جامعة فودان في شنغهاي، إن المسؤولين الصينيين حاولوا التقليل من تأثير الحرب الإيرانية على العلاقات الأمريكية الصينية، على أمل أن يعقد اجتماع القادة، الذي تم تأجيله بالفعل مرة واحدة من شهر أبريل/نيسان، في شهر مايو/أيار.
وقال تشاو إن بكين تريد فصل قضية إيران عن المسار الأوسع للعلاقات الأمريكية الصينية، على أمل إيجاد الاستقرار مع الولايات المتحدة.
وكان البلدان يأملان في أن يلتقي ترامب وشي أربع مرات هذا العام، لكن هذه الآفاق قد تتضاءل إذا تحولت الحرب إلى قضية ثنائية.