أزمة المناخ تصنع اقتصادا جديدا.. العالم يسرّع الانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري
يقال إن الأزمات تصنع الفرص، وهو ما تجلى بوضوح مع تفاقم أزمة المناخ، التي دفعت العالم إلى الابتكار والبحث عن بدائل للوقود الأحفوري، وتعزيز الدعوات إلى الانتقال نحو مصادر طاقة أكثر استدامة.
وقد انعكس ذلك في الدورات الأخيرة لمؤتمرات الأطراف المعنية بتغير المناخ، لا سيما في الدورة الثامنة والعشرين (COP28) التي عقدت في «إكسبو دبي» بدولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تضمن البيان الختامي دعوة صريحة للانتقال بعيدا عن الوقود الأحفوري.
وخلال المؤتمر أيضا، أُعلن تعهد بمضاعفة قدرات الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة الطاقة ثلاث مرات بحلول عام 2030، في خطوة تستهدف تعزيز التعاون الدولي وتسريع وتيرة التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
وبالفعل، شهدت الاستثمارات العالمية في الطاقة المتجددة نموا ملحوظا. فوفقا لتقرير «Energy Transition Investment Trends 2026» الصادر عن «BloombergNEF»، ارتفع إجمالي الاستثمار العالمي في التحول الطاقي خلال عام 2025 إلى نحو 2.3 تريليون دولار، بزيادة قدرها 8% مقارنة بعام 2024. وبلغت الاستثمارات الموجهة إلى الطاقة المتجددة وحدها نحو 690 مليار دولار في العام نفسه.
على صعيد السياسات، تبنّت دول عدة حول العالم إجراءات واضحة، وفي بعض الحالات ملزمة قانونًا، للتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري وخفض الانبعاثات الدفيئة، دعمًا لأهداف التخفيف من آثار التغير المناخي وحماية البيئة، خاصة في المناطق الأكثر عرضة لمخاطره. وفي أوروبا، اتخذت بعض الدول خطوات تشريعية لوقف استكشاف أو إنتاج الوقود الأحفوري.
فعلى سبيل المثال، منعت إيرلندا إصدار تراخيص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز الطبيعي، دعمًا لمسار الانتقال إلى الطاقة المتجددة. وفي إسبانيا، أقرّت الحكومة قانونًا يقضي بإنهاء إنتاج النفط والفحم والغاز الطبيعي بحلول عام 2042.
أما الدنمارك، فقد قررت وقف إصدار تراخيص استكشاف النفط والغاز في بحر الشمال بحلول عام 2050. وفي فرنسا، أُقرّ عام 2017 -بعد نحو عامين من اتفاق باريس- قانون يمنع استخراج النفط والغاز الطبيعي في أراضيها بحلول عام 2040.
ومن الطبيعي أن يؤدي إغلاق الأبواب أمام أنشطة الوقود الأحفوري، سواء في القطاع العام أو الخاص، إلى توجيه مزيد من الدعم والتمويل نحو الاستثمارات منخفضة الانبعاثات الكربونية. وقد أسهم ذلك في تعزيز الابتكار في قطاع الطاقة المتجددة، وخلق فرص عمل خضراء جديدة، ودفع عجلة النمو الاقتصادي المستدام.
وفي هذا السياق، قال هشام عيسى، المنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، في تصريح لـ«العين الإخبارية»: «تمكنت بعض الدول من تحويل تحدي تغير المناخ إلى فرص استثمارية واعدة، سواء في التكنولوجيا الحديثة، أو البحث العلمي، أو تطوير منتجات جديدة، أو الترويج لصناعات وابتكارات لم تكن موجودة من قبل، فضلًا عن تعزيز مفهوم الاقتصاد الدائري».
ومن جهة أخرى، عززت عدة دول الحلول القائمة على الطبيعة لتقليل الاعتماد على المواد الكيميائية التي قد تُخلّف أضرارًا بيئية جسيمة.
ويشير عيسى إلى أن بعض شركات الأدوية بدأت بالفعل التحول تدريجيًا نحو استخدام النباتات الطبية والوسائل البيئية المتاحة، بهدف تقليل الاعتماد على المركبات الكيميائية، مؤكدًا أن «هذا التوجه يعيدنا إلى الطبيعة مرة أخرى».
وتُعد مصادر الطاقة المتجددة من أبرز الموارد البيئية المتاحة عالميًا، غير أن الاستفادة منها تتطلب تطوير معدات وتقنيات متقدمة.
وقد تسابقت الشركات الدولية في السنوات الأخيرة إلى تحسين هذه التقنيات وخفض تكلفتها، ما جعلها أكثر قدرة على المنافسة مقارنة بالماضي، ومهّد الطريق نحو نمط حياة أكثر استدامة.