من كوتشيلا إلى سيلين ديون.. هل أصبحت الحفلات الموسيقية رفاهية؟
مع كل ربيع، يجتاح مهرجان كوتشيلا مواقع التواصل الاجتماعي بصوره اللامعة وأزيائه الغريبة، لكن خلف هذا البريق، يتصاعد تساؤل جدي، هل أصبحت الموسيقى الحية رفاهية لا يقدر عليها الجميع؟
ظاهرة ارتفاع اسعار الحفلات لم تعد حكرًا على الولايات المتحدة، بل امتدت إلى أوروبا، كما تكشف أزمة حفلات سيلين ديون في باريس.
كوتشيلا: من مهرجان موسيقي إلى منصة استعراض رقمي
انطلق مهرجان كوتشيلا عام 1999 في صحراء كاليفورنيا، لكنه تحوّل مع الوقت إلى ظاهرة ثقافية مزدوجة، بعروض موسيقية قوية من جهة، واستعراض بصري للأزياء والمؤثرين من جهة أخرى، بحسب محطة "فرانس.إنفو" الفرنسية.
في دورته الخامسة والعشرين هذا العام، استقطب المهرجان نحو 125 ألف شخص في كل عطلة نهاية أسبوع، مع عروض لنجوم مثل جاستن بيبر وكاربنتر، وسابرينا وكارول جي.
لكن الحضور لم يعد فقط للاستماع إلى الموسيقى، بل لصناعة المحتوى، فكل إطلالة تصمم للنشر، وكل منشور غالبًا ما يكون جزءًا من حملة دعائية، حيث ترعى الشركات المؤثرين مقابل الترويج لمنتجاتها داخل المهرجان.
وفي عام 2025، تم نشر أكثر من مليوني محتوى تحت الوسم الرسمي للمهرجان، مع توقعات بزيادة الرقم هذا العام.

أسعار خيالية… وديون خفية
في المقابل، يدفع الجمهور العادي الثمن، إذ يصل سعر التذكرة العادية لثلاثة أيام إلى 649 دولارًا، بينما يبلغ سعر تذكرة كبار الشخصيات 1399 دولارًا. وعلى منصات إعادة البيع، قفزت الأسعار إلى 6 آلاف دولار.
هذا الارتفاع دفع كثيرين إلى اللجوء لأنظمة التقسيط، حيث اشترى 60% من الحضور تذاكرهم عبر دفعات شهرية. ومع تكرار ذلك في أكثر من مهرجان، ظهرت ما يُعرف بـ"الديون الخفية"، وهي التزامات مالية غير ظاهرة في الحسابات البنكية لكنها تثقل كاهل الشباب.
فرنسا ليست استثناءً
الظاهرة نفسها تتكرر في فرنسا. فبحسب بيانات المركز الوطني للموسيقى، ارتفعت أسعار تذاكر المهرجانات بنسبة 48% خلال عشر سنوات، وفي عام 2024 تجاوزت الزيادة معدل التضخم لأول مرة.
كما أُلغيت نسخة 2026 من مهرجان "لولا بالوزا" في باريس لأسباب اقتصادية، من بينها ارتفاع أجور الفنانين ونقص الدعم.
سيلين ديون تكشف أزمة التسعير
تجسدت الأزمة بوضوح في حفلات سيلين ديون المرتقبة في باريس، حيث طُرحت التذاكر بأسعار تتراوح بين 89 و298 يورو. لكن خلال البيع المسبق، فوجئ بعض المعجبين بارتفاع السعر إلى أكثر من 1300 يورو في لحظات.
السبب هو نظام "التسعير الديناميكي"، الذي يرفع الأسعار تلقائيًا حسب الطلب، وقد دفع ذلك السلطات الفرنسية إلى فتح تحقيق بشأن ممارسات تجارية مضللة.
بين التسعير الحر والعدالة للجمهور
في مواجهة هذا الاتجاه، اختار بعض الفنانين نهجًا مختلفًا. على سبيل المثال، طرح الفنان Saez حفله الممتد لثماني ساعات بسعر موحد يبلغ 386 يورو، دون تغييرات مفاجئة، في محاولة لإرساء شفافية أكبر مع الجمهور.
موسيقى للجميع… أم للأغنياء فقط؟
الموسيقى الحية لم تختفِ، لكنها أصبحت انتقائية. فهناك من يستطيع دفع التكاليف المرتفعة والاستمتاع بالتجربة، في مقابل جمهور آخر يكتفي بالمشاهدة عبر الإنترنت مجانًا.
في النهاية، يبدو أن الشيء الوحيد المجاني اليوم هو الشاشة، أما الحضور الحقيقي، فقد أصبح امتيازًا لا يملكه الجميع.