لا أحد يعرف متى ستتوقف دوامة التوترات العسكرية التي تشهدها المنطقة.. فالمشهد الإقليمي مضطرب ويتغير بسرعة والضربات المتبادلة والتهديدات العسكرية منذ أيام تسيطر على مجمل حياتنا.
في مثل هذه اللحظات تصبح المعلومة جزءاً من المعركة، فليست الصواريخ وحدها هي التي تتحرك في أجواء النزاعات بل تتحرك أيضاً الصور والمقاطع والرسائل القصيرة والتي تنتقل عبر الهواتف والمنصات الرقمية بسرعة تفوق سرعة الحدث نفسه.
هذه الحقيقة هي ما تدفع الأجهزة الرسمية في العديد من الدول إلى توجيه رسائل واضحة للمجتمع: لا تُصوِّر… لا تنشر.
خلال الأزمات الأمنية والعسكرية، قد تبدو مشاركة صورة أو مقطع فيديو عملاً عادياً من منظور الفرد لكنه قد يحمل أبعاداً أمنية خطيرة.
صورة لموقع حادث أو مقطع لحركة الدفاعات الجوية أو حتى رسالة غير موثقة يمكن لها أن تتحول في لحظة إلى معلومة تستخدمها جهات معادية لتحليل المشهد الأمني أو تحديد مواقع عسكرية.
لقد غير العصر الرقمي مفهوم الأمن التقليدي؛ فلم يعد الأمن مسؤولية المؤسسات الرسمية وحدها بل أصبح يعتمد إلى حد كبير على وعي المجتمع وسلوكه الرقمي فالهاتف المحمول الذي يحمله كل فرد أصبح - في الواقع - وسيلة إعلامية كاملة قادرة على بث المعلومات إلى العالم خلال ثوانٍ.
وفي ظل الاعتداءات الإيرانية التي طالت في الآونة الأخيرة دولاً ليست طرفاً مباشراً في النزاع تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى التعامل المسؤول مع المعلومات؛ فالتسرع في النشر قد يؤدي إلى تضخيم الأحداث أو نشر أخبار غير دقيقة الأمر الذي يخلق حالة من القلق والارتباك داخل المجتمع.
التجارب الدولية في إدارة الأزمات تؤكد أن الشائعات تنتشر في زمن الأزمات أسرع بكثير من الحقائق وفي كثير من الأحيان تتحول هذه الشائعات إلى عنصر إضافي من عناصر الضغط على المجتمع والدولة في آن واحد.
لهذا السبب تحرص الحكومات على التأكيد أن المصدر الرسمي للمعلومات هو المرجع الوحيد الموثوق في مثل هذه الظروف؛ فالجهات المختصة تمتلك القدرة على التحقق من الوقائع وتقييم أثر نشرها قبل إعلانها للرأي العام بما يضمن تحقيق التوازن بين الشفافية ومتطلبات الأمن.
المسألة هنا ليست تقييداً لحرية التعبير كما قد يتصور البعض بل هي جزء من منظومة الحماية المجتمعية في لحظات حساسة؛ فالمعلومة غير الدقيقة قد تُربك الرأي العام وقد يستغلها خصوم الدولة في الحرب الإعلامية والنفسية التي ترافق أي صراع عسكري.
ولذلك، فإن المسؤولية الوطنية في مثل هذه الظروف تبدأ بخطوة بسيطة لكنها شديدة الأهمية وهي التوقف قبل النشر.
إن المجتمعات القوية لا تُقاس فقط بقدراتها العسكرية أو الاقتصادية، بل بمدى وعي أفرادها وقدرتهم على التصرف بمسؤولية في اللحظات الحرجة.
وفي ظل هذه الظروف الإقليمية المعقدة، تبقى الرسالة الأهم بسيطة وواضحة:
لا تنشر… لا تُصوِّر… ودع المعلومة تصدر من مصدرها الرسمي؛ ذلك أن في زمن الأزمات قد يكون الصمت أحياناً موقفاً وطنياً.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة