سياسة

بالصور.. "العين الإخبارية" تفتح خزينة ذكريات أول شهداء حرب أكتوبر

السبت 2018.10.6 09:48 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 429قراءة
  • 0 تعليق
الشهيد عطية صالح محمدين أول شهداء نصر أكتوبر المجيد

الشهيد عطية صالح محمدين أول شهداء نصر أكتوبر المجيد

قبل 45 عاما من الآن سجل بطولته في أول موجة عبور بملحمة نصر أكتوبر العظيم 1973، فكان أول الشهداء، عطية صالح محمدين، قائد الكتيبة 22 مشاة بالجيش الثالث الميداني. 

وصفه الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، بطل الحرب والسلام، بـ"البطل الاستثنائي"، وكرمه خلفه الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك.

أما الرئيس المصري الحالي عبدالفتاح السيسي فقد ألقى الضوء عليه وسيرته البطولية كأول شهيد في حرب أكتوبر، مقررا تكريمه أيضا بإطلاق اسمه على الدفعة 158 من معهد "ضباط الصف المعلمين" التابع للقوات المسلحة المصرية.

والمعهد هو نفسه الذي كان يعمل به الشهيد مُعلما في منطقة التل الكبير بمحافظة الشرقية (بدلتا مصر) خلال إحدى مراحل خدمته في الجيش المصري، التي امتدت لسنوات داخل مصر وخارجها.

التحق الشهيد عطية صالح محمدين بالقوات المسلحة المصرية عام 1954، وسجله حافل بالبطولات، خاضها بداية من العدوان الثلاثي عام 1956، مرورا بحرب اليمن وحرب الاستنزاف، وصولا إلى حرب أكتوبر عام 1973.

استشهد البطل عطية صالح محمدين مع موجة العبور الأولى لقناة السويس ظهر السادس من أكتوبر وجميع أفراد الكتيبة 22 مشاة التابعة للجيش الثالث الميداني، التي كان الشهيد هو نفسه قائدها.

"العين الإخبارية" فتحت خزينة ذكريات الشهيد، والتقت أبناءه في القاهرة، حيث استقرت الأسرة بعد التهجير حتى اليوم.

كاميرا "العين الإخبارية" كانت هناك حيث البيت الذي ولد فيه الشهيد وتزوج وعاش أسعد لحظات حياته بالإسماعيلية، إحدى مدن القناة التي تضررت من زمن الحرب وهاجر منها أهلها، حتى جاءها النصر في أكتوبر 1973.


بعيون دامعة وصوت يملؤه الفخر في اللحظة ذاتها، استرجع صالح، ابن الشهيد عطية صالح محمدين، ذكريات استشهاد والده، قائلا: "كنا نأخذ الأخبار من الإذاعة، وعلمنا بعبور الجيش المصري، سعادة الأسرة كانت بالغة بالعبور، ولكنها منقوصة، ويشوبها قلق كبير لم يفارق أي فرد في العائلة على الابن الذي يشارك في المعركة ولا نستطيع الاطمئنان عليه".


ويتابع نجل الشهيد: بعد وقف إطلاق النار كنا نتلهف على معرفة خبر عن والدي، وعرفنا بالفعل باستشهاده في المعركة من السجلات العسكرية، وتم وصف واقعة الاستشهاد لنا.

وفي وصف لحظة استشهاد والده يقول صالح: بداية المعركة كانت الساعة 2 ظهرا (1400) بالتوقيت العسكري، أخد والدي الأوامر في ذلك الوقت بالعبور والاشتباك مع العدو في جبل المر التابع للجيش الثالث الميداني (أحد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة المصرية).

ويتابع: اشتبك والدي مع العدو في معركة استمرت 3 ساعات، كانت هي الأشرس في حرب 73، بحسب وصف القوات المسلحة، واستطاع والدي السيطرة على النقطة التي كان يسيطر عليها العدو في جبل المر ورفع العلم عليه.


ويواصل نجل الشهيد حديثه: "في هذا الوقت كان العدو الإسرائيلي يرصد تصرفات كتيبة والدي التي كان يقودها (الكتيبة 22 مشاة بالجيش الميداني الثالث)، وبالطبع والدي كانت معه الأسلحة الخفيفة الخاصة به، والعدو قادم بأسلحته الثقيلة.. أبلغت القيادة والدي بضرورة التعامل والدعم الجوي قادم له، وكان الاشتباك شرسا جدا، وأحدث والدي ثغرة في قلب العدو، لكنه استشهد وأفراد كتيبته كافة".


ويستدعي نجل الشهيد الذكريات قائلا: والدي خلال إصابته الأولى قبل الشهادة مباشرة، كان يقول لعساكره والجنود معه أن يواصلوا التقدم وضرب العدو، وكان لديه إصرار على ألا يعود خطوة واحدة عن المكسب الذي أحرزوه في معركة جبل المر، فقد تعامل والدي بكل شجاعة مع العدو.

واعتبر صالح وصف الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لأبيه الشهيد بأنه "بطل استثنائي" لم يأت من فراغ، حيث إن مقاتلًا بالجيش المصري يتعامل بسلاحه الخفيف مع السلاح الثقيل، فهي شجاعة فائقة وعمل قتالي استثنائي، وهو مقيد في نوط الجمهورية.

مفتخرا بالتكريم الذي تسلمه من الرئيسين السادات ومبارك يتابع صالح: ثأر كبير جعل شهيد أول موجة عبور في أكتوبر شغوفا بتحرير أرض بلاده، والإقبال على المعركة، حيث كانت عائلته الصغيرة والكبيرة بين العائلات التي هاجرت من الإسماعيلية إلى القاهرة.


ويتابع: في هذا الشأن كان عنده شوق غريب أنه يعبر، لأن ساعتها مرارة التهجير كانت مرارة صعبة، وكنا نترك مدينتنا الإسماعيلية، ونأتي إلى القاهرة، وخلال فترات التهجير غادرنا إلى بلبيس (إحدى مدن محافظة الشرقية) ومنها إلى القاهرة، فكان لا بد أن نرجع إلى مدينتنا الإسماعيلية.

بيت الشهيد قبره الثاني 

ويواصل نجل الشهيد: دُفن والدي في موقع المعركة بجبل المر نفسه، وعلمنا باستشهاده بعد فترة.

يُشير صالح إلى بيت العائلة في الإسماعيلية، ويقول: هذا بيت جدي، العائلة كلها كانت تعيش به، والدي، إخوته.. أسعد أيام العمر كانت في هذا المنزل.. وُلد والدي وتزوج فيه.. هذا المنزل يمثل لي قبر أبي الذي لا أعرف مكانه، أنا لا أعرف موقع دفنه، ولم أزُر جبل المر لأقرأ له الفاتحة هناك، فأقف أمام هذا البيت أرى والدي فيه، ملامحه، وكم كان سعيدا فيه، وكم تمنى أن تنتهي الحرب ويعود ليعمره، ولكننا لن نفرط به، وسنخلد هذا المكان كما خلدت الدولة اسم والدي.


جانب آخر من قصة أول شهيد خلال نصر أكتوبر المجيد ترويها فتقول إيمان، الابنة الكبرى للشهيد، تحكي فيها عن اللحظات الأخيرة التي لا تنمحي من الذاكرة مهما مر الزمان ومهما كان صغر السن.

تقول إيمان ابنة الشهيد: آخر فسحة لنا كانت على نهر النيل بالقاهرة، حيث هاجرنا ونحن صغار زمن الحرب.. النيل، كان والدي يحب هذه النزهة، وفي حال أن يكون منشغلا كان يكتفي باصطحابنا إلى الحدائق بمنطقة القبة حيث منزل التهجير. 

وتتابع الحكاية: كان والدي يحب الفصل ما بين العمل وحياته العسكرية عندما يعود إلى المنزل، ولكن في إجازته الأخيرة لنا كان قلقا بشكل ملحوظ، وعلى هذا كان يوصي والدتنا طوال الوقت، من بين هذه التوصيات قال لها ألا تهتم إذا تأخر هذه المرة في الجيش وأن تصنع لنا حلوى العيد وتقيم جميع طقوس رمضان، فالحرب انطلقت في رمضان.


يلتقط صالح خيوط الحكاية قائلا: أذكر قبل يومين من انطلاق الحرب والدي احتضننا وقبّلنا، وحينها خلع ساعة يده وترك بطاقته (هويته الشخصية) مع والدتي، واستمر في مراقبتنا بعينه ونحن صغار، فقد كنت لا أتجاوز السادسة من عمري، وكنا في هذه اللحظات نهتف ونحن نلعب: "بابا راح يموت إسرائيل ويرجع تاني".. كنا لا ندرك أن هذه هي اللحظات الأخيرة.

خزينة ذكريات أهل الشهيد لا تنضب.. تعود إيمان بشغف شديد لتتحدث عن والدها الشهيد الذي كان بارا جدا بوالديه وأقربائه وإخوته، فتقول: أبي في المنزل كان رجلا مصريا أصيلا، ورغم صغر سني آنذاك فإنني أتذكر عندما كان يصر على مساعدة والدتي في أعمال المنزل، خاصة في رمضان.

وتواصل مبتسمة: كان أكولًا.. يحب المأكولات التي تمنح الجسم طاقة مثل الحمام، لكنه في الوقت ذاته كان رجلا رياضيا.

للأحفاد جانب مهم من الحكاية، ولا يمكن إنكار تأثرهم بجدهم الشهيد الذي صار مصدرا لفخرهم بين أقرانهم، خصوصا أنهم امتداد لذكرى الشهيد.. هؤلاء البراعم يفتخرون بهذا الرجل الذي سمعوا عنه الروايات وشاهدوا الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يكرمه بعد 45 سنة من رحيله.


نور صالح عطية صالح، حفيدة الشهيد تقول: كنت في منتهى السعادة خلال الحفل الذي سلم فيه الرئيس عبدالفتاح السيسي والدي تكريما جديدا لجدي البطل، وكنت أتمنى أن يكون جدي على قيد الحياة لأتعلم من بطولاته ويحكي لي عن بطولاته وكيف أنجزها.. أتمنى أن أكون بطلا مثله، ولذلك سأدرس في الكلية الفنية العسكرية.

أما أشرقت، حفيدة الشهيد عطية صالح محمدين، فتقول عن جدها: سعدنا بتكريم جدي وشعرت بالفخر بأن جدي بطل استثنائي، وكنت سعيدة، لأن الدولة ما زالت تذكر بطولاته رغم مرور 45 سنة على استشهاده، ودائما ما أتحدث عن بطولات جدي بين زملائي وأصدقائي.

تعليقات