تأثير يتجاوز زمن الحرب.. الاضطرابات تعيد تشكيل أسواق الطاقة
اعتبر تحليل نشره موقع «ديسكفري أليرت» إن التطورات في المنطقة تلقي بظلال كبيرة على الأسواق العالمية للطاقة في حاضرها ومستقبلها.
وأوضح إن تلك الأسواق تعمل ضمن شبكة معقدة من سلاسل الإمداد، ونقاط الاختناق الاستراتيجية، ونقاط الترابط الجيوسياسية، والتي يمكن أن تتغير بشكل كبير عندما تتصاعد التوترات الإقليمية. وقد أظهرت الحرب بين إسرائيل وإيران مدى السرعة التي يمكن أن تؤدي بها النزاعات الإقليمية إلى تأثيرات متسلسلة على الأنظمة العالمية للطاقة، مؤثرة على كل شيء بدءًا من تكاليف وقود النقل وصولاً إلى جداول الإنتاج الصناعي عبر القارات.
وقال إن أمن الطاقة تطور ليشمل ما هو أبعد من مجرد آليات العرض والطلب البسيطة، ليصبح بمثابة استراتيجيات متقدمة لإدارة المخاطر تأخذ في الحسبان عدم الاستقرار السياسي، وضعف البنية التحتية، وتنويع سلاسل الإمداد. وتعكس هذه التحولات إدراكًا أساسيًا بأن الاستقلالية والمرونة في الطاقة تتطلب كلاً من الابتكار التكنولوجي والتخطيط الاستراتيجي الذي يمتد بعيدًا عن القوى السوقية التقليدية.
الممرات البحرية
وأوضح التحليل إن النظام العالمي للطاقة يعتمد على عدد محدود من الممرات البحرية التي تُعرف بـ«نقاط الاختناق الاستراتيجية»، وهي ممرات ضيقة تمر عبرها أحجام غير متناسبة من تجارة النفط العالمية. هذه الحساسية الهيكلية تجعل أي توتر جيوسياسي ينعكس فورًا في عقود النفط الآجلة وتكاليف الشحن والتأمين.
ومضيق هرمز هو المثال الأبرز، إذ تمر عبره نحو 21 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات المكررة، أي ما يعادل نحو 21% من إجمالي سوائل النفط المتداولة عالميًا. أما قناة السويس فتنقل نحو 5.5 مليون برميل يوميًا، في حين يعبر مضيق ملقا حوالي 15.6 مليون برميل يوميًا، معظمها متجه إلى الأسواق الآسيوية. كذلك تمر عبر المضائق التركية قرابة 3 ملايين برميل يوميًا من صادرات منطقة بحر قزوين. هذه الأرقام توضح أن أي اضطراب في أحد هذه المسارات يؤثر مباشرة على جزء ملموس من الإمدادات العالمية.
ويشمل التحليل الاقتصادي لتعطّل نقاط الاختناق - ثلاثة عناصر رقمية رئيسية: تكلفة المسارات البديلة، أقساط التأمين، وزمن العبور. خلال فترات التوتر الجيوسياسي، ترتفع أقساط التأمين على ناقلات النفط العابرة لمناطق عالية المخاطر بنسبة تتراوح بين 200% و400%، ما يزيد التكلفة النهائية لكل برميل يتم شحنه. كما أن التحول إلى طرق أطول يعني استهلاكًا أكبر للوقود وارتفاعًا في تكاليف استئجار السفن، إضافة إلى تمدد زمن الشحن، وهو ما يؤثر على جداول الإمداد وسلاسل التوريد الصناعية.
وعند مواجهة مخاطر تعطّل الممرات البحرية، تلجأ شركات الطاقة إلى حلول رقمية التكلفة، تشمل زيادة الاعتماد على شبكات الأنابيب البرية القائمة، تسريع مشاريع خطوط أنابيب بديلة، وتوسيع قدرات التخزين في موانئ تصدير مختلفة. إلا أن هذه البدائل غالبًا ما تنطوي على استثمارات رأسمالية مرتفعة ولا تعوض بالكامل فقدان المسارات البحرية ذات السعة الكبيرة.
وخلص التحليل في هذا السياق إلى أن تعطل ممر ينقل بين 3 إلى 21 مليون برميل يوميًا لا يمثل حدثًا لوجستيًا فحسب، بل صدمة عرض عالمية تنعكس في شكل ارتفاع فوري في الأسعار، وزيادة في تكاليف النقل والتأمين، وضغوط تضخمية تمتد عبر قطاعات الطاقة والصناعة والنقل على مستوى العالم.
استراتيجيات إنقاذ
وكانت الدول المستوردة للطاقة قد طورت استراتيجيات متقدمة للتعامل مع اضطرابات الإمدادات خلال فترات التوتر الجيوسياسي، تجمع بين إجراءات تكتيكية فورية وخطط طويلة الأجل قد تعيد تشكيل أنماط تجارة الطاقة عالميًا. وتستند هذه الآليات إلى تقييم دقيق لحجم التعرض للمخاطر في الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها كميات كبيرة من النفط والغاز.
وتُعد الهند مثالًا واضحًا على هذا التكيّف الهيكلي، إذ تستورد نحو 85% من احتياجاتها من النفط الخام، ما يجعل أمن الإمدادات مسألة حيوية للاقتصاد الوطني. وتشير بيانات الصناعة إلى أن نحو 40% من وارداتها النفطية وقرابة 55% من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال تمر عبر ممرات بحرية معرضة للاضطراب في حال تصاعد النزاعات الإقليمية. هذه النسب تعكس مستوى انكشاف مرتفع لأي تعطّل محتمل في طرق الشحن الاستراتيجية.
في مواجهة هذه المخاطر، استثمرت المصافي في تعزيز مرونتها التشغيلية، بحيث تستطيع معالجة أنواع مختلفة من النفط الخام بدل الاعتماد على مصدر واحد. وتشمل هذه الاستراتيجيات تحسين مزيج الخام المعالج، وزيادة مستويات المخزون خلال فترات عدم اليقين، وإبرام عقود طويلة الأجل مع موردين متنوعين جغرافيًا، إضافة إلى تنويع مسارات النقل ومرافق التخزين. وتمنح الاستراتيجيات قدرًا من الاستقرار الاقتصادي عند حدوث أزمات.
وعلى مستوى الأسواق، لا تتحدد الأسعار فقط وفق العرض والطلب الفعليين، بل تُضاف إليها «علاوة مخاطر» تعكس احتمالات التصعيد ومدته المتوقعة. وتشير السوابق التاريخية إلى أن رد الفعل السعري قد يكون حادًا في البداية؛ فالهجمات على منشآت أرامكو السعودية عام 2019 أدت إلى ارتفاع أسعار النفط بنحو 15% إلى 20% قبل أن تتراجع مع استعادة الإنتاج. وهذا النمط يوضح أن المخاطر الجيوسياسية تُترجم سريعًا إلى زيادات سعرية قد تؤثر على تكاليف الطاقة والتضخم عالميًا، حتى لو كان التعطّل الفعلي مؤقتًا.
قطاعات متأثرة
وتمتد آثار اضطرابات إمدادات الطاقة إلى مختلف قطاعات الاقتصاد العالمي بدرجات متفاوتة، تبعًا لكثافة استهلاكها للطاقة وقدرتها على تمرير التكاليف إلى المستهلكين. وعندما تتزامن صدمات أسعار النفط مع توترات جيوسياسية أو حروب تجارية، تتضاعف التأثيرات وتنتقل عبر سلاسل الإمداد العالمية، ما يخلق ضغوطًا تضخمية واسعة النطاق ويؤثر في قرارات الإنتاج والاستثمار.
أما القطاع الأكثر حساسية لتقلبات أسعار الوقود فهو النقل وذلك بسبب اعتماده الكبير على المشتقات النفطية وصعوبة إيجاد بدائل سريعة. ففي قطاع الطيران التجاري، يمثل وقود الطائرات ما بين 20% و30% من إجمالي تكاليف التشغيل، ما يعني أن أي ارتفاع مستدام في أسعار النفط يمكن أن يؤدي بسرعة إلى تآكل هوامش الربح ودفع الشركات إلى خفض السعة التشغيلية أو تعديل مساراتها. ولمواجهة هذه المخاطر، تعتمد شركات النقل على استراتيجيات التحوط المالي، وتحسين كفاءة المسارات، وتسريع تحديث الأساطيل، إضافة إلى دراسة الوقود البديل.
أما قطاع التصنيع، خصوصًا الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الصلب والألمنيوم والكيماويات والإسمنت، فيواجه ضغوطًا مباشرة على التكاليف. ففي صناعة الصلب على سبيل المثال، تمثل الطاقة نحو 15% إلى 25% من إجمالي تكلفة الإنتاج، ما يجعل تقلبات أسعار الطاقة عاملًا حاسمًا في قرارات جدولة الإنتاج وإدارة المخزون وتوزيع الطاقة الإنتاجية. وتلجأ الشركات إلى تحسين كفاءة الطاقة، وتنويع مواقع الإنتاج جغرافيًا، وتعديل مزيج المنتجات لتقليل استهلاك الطاقة خلال فترات الارتفاع السعري.
على مستوى الاستثمار، تؤدي الأزمات الجيوسياسية إلى ظهور ما يمكن تسميته بـ«علاوة أمن الطاقة»، حيث ترتفع تقييمات الأصول المرتبطة بإمدادات مستقرة ومحلية. ويشمل ذلك مشاريع الطاقة المتجددة بعقود طويلة الأجل، وأصول إنتاج الطاقة في دول مستقرة سياسيًا، والبنية التحتية الحيوية، إضافة إلى التقنيات الداعمة للاستقلال الطاقي مثل تخزين الطاقة والشبكات الذكية والهيدروجين الأخضر.
تداعيات تتجاوز زمن الحرب
ووفقا للتحليل، تُسهم الحرب بين إسرائيل وإيران والتوترات الجيوسياسية المماثلة في إحداث تحولات هيكلية مرشحة للاستمرار في أسواق الطاقة العالمية حتى بعد انتهاء النزاعات المباشرة. وتشمل هذه التحولات تطوير مناهج جديدة لتقييم المخاطر، وتعديل معايير الاستثمار، وإعادة صياغة الأطر التنظيمية بحيث يصبح أمن الطاقة عنصرًا موازيًا للكفاءة الاقتصادية والأهداف البيئية، وليس تابعًا لهما.
وأصبح تقييم المخاطر الجيوسياسية جزءًا محوريًا في قرارات الفاعلين في السوق، من الشركات متعددة الجنسيات إلى المستثمرين الأفراد. ولم يعد تحسين التكلفة وحده كافيًا في نماذج اتخاذ القرار، بل بات التخطيط يقوم على موازنة متعددة الأهداف تجمع بين الكفاءة، والمرونة، والاستدامة. وهذا يمثل انتقالًا من منطق السوق البحت إلى نموذج أكثر تعقيدًا يدمج الاعتبارات الأمنية ضمن اقتصاديات الطاقة.
ومن المرجح أن تؤدي التوترات الحالية إلى تسريع بناء نظام طاقة عالمي أكثر تنوعًا واعتمادًا على التكنولوجيا وأكثر قدرة على الصمود. هذا التحول يخلق تحديات تتعلق بإدارة المخاطر قصيرة الأجل، لكنه يفتح أيضًا فرصًا استثمارية على امتداد سلسلة القيمة، من الإنتاج إلى النقل والاستهلاك، خاصة في التقنيات التي تعزز الاستقلال الطاقي والبنية التحتية المرنة.
وفي ظل هذه البيئة المتغيرة بسرعة -بفعل التطورات الجيوسياسية والتقدم التكنولوجي والتعديلات التنظيمية- تبقى أسواق الطاقة عرضة لتحولات مفاجئة. لذلك يتطلب التعامل معها استراتيجيات مدروسة، والاستعانة بخبراء مختصين قبل اتخاذ قرارات استثمارية، نظرًا لتعقيد المخاطر وتداخل العوامل المؤثرة.