أوروبا تُفضل التأني في وجه قطار ترامب الجمركي.. وقف تمرير اتفاق التجارة
أوقف البرلمان الأوروبي منتصف الأسبوع الجاري، عملية التصديق على اتفاقية تجارية شاملة مع الولايات المتحدة في أحدث تداعيات قرار المحكمة العليا بإلغاء معظم التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وعقب اجتماع طارئ في بروكسل، صرّح المشرّعون بأنّ موقف الولايات المتحدة من الاتفاق بات "مبهماً للغاية"، وفق ما أفادت شبكة "إن بي سي نيوز" الأمريكية.
وقال رئيس لجنة التجارة في البرلمان، بيرند لانج: "لا أحد يعلم ما سيحدث، ومن غير الواضح ما إذا كانت ستُتخذ إجراءات إضافية، أو كيف ستضمن الولايات المتحدة فعلاً" التزامها بالاتفاق.
وبمجرد الإعلان، استخدم ترامب وسائل التواصل الاجتماعي لتهديد "أي دولة تريد التلاعب بقرار المحكمة العليا "، وقال ترامب إنّ الدول قد تُفرض عليها "رسوم جمركية أعلى بكثير".
واختتم ترامب منشوره على منصة "تروث سوشيال" بعبارة "احذروا أيها المشترون!".
وأدّى هذا الغموض، إلى جانب تهديدات ترامب، إلى تراجع حاد في أسعار الأسهم الأمريكية.
إزالة الحواجز التجارية
وكان من شأن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين ترامب ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في يوليو/تموز الماضي أن يزيل ما وصفه البيت الأبيض بـ"الحواجز التجارية" في قطاعات متنوعة أمام المصدرين الأمريكيين.
وقد أشادت الإدارة الأمريكية بالاتفاق ووصفته بأنه "تحديثٌ تاريخي للتحالف عبر الأطلسي".
وقالت فون دير لاين إن الاتفاق بالنسبة للاتحاد الأوروبي خلق "اليقين في أوقات عدم اليقين" ووفر "الاستقرار والقدرة على التنبؤ، للمواطنين والشركات على جانبي المحيط الأطلسي".
وحدد الاتفاق سقفًا لمعظم الرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات من الاتحاد الأوروبي، بنسبة 15% وخفض الرسوم الجمركية إلى 0% على الطائرات وقطع الغيار والأدوية الجنيسة ومعدات أشباه الموصلات وبعض المنتجات الزراعية وبعض المواد الخام الأساسية غير المتوفرة في الولايات المتحدة.
لكن الاتفاق تعثّر منذ الصيف الماضي، إذ يعمل برلمان الاتحاد الأوروبي على تنفيذ بنوده.
كما وسّعت الولايات المتحدة نطاق تعريفاتها الجمركية على المعادن لتشمل مئات المنتجات الإضافية العام الماضي.
وفي منتصف يناير/كانون الثاني، صرّح ترامب بأنه سيفرض رسومًا جمركية إضافية على ثماني دول أوروبية إذا لم يتمكن من السيطرة على غرينلاند.
وردًا على ذلك، علّق البرلمان الأوروبي التصديق على الاتفاقية التجارية للمرة الأولى.
وقال لانج، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان، "بتهديدها للسلامة الإقليمية وسيادة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي، واستخدامها الرسوم الجمركية كأداة قسرية، تقوّض الولايات المتحدة استقرار العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وقابليتها للتنبؤ".
وبعد أن تصدّت المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء بقوة لهذه التهديدات، تراجع ترامب عن تهديداته بفرض رسوم جمركية على غرينلاند.

وظلّ المشرّعون متشككين في خطط ترامب، وبدلًا من استئناف العمل على الاتفاقية سريعًا، قرروا التريّث لبضعة أسابيع.
وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي لشؤون التجارة، أولوف جيل، هذا الأسبوع، قبل إعلان البرلمان، "على الولايات المتحدة أن توضح لنا بدقة ما يجري"، مضيفًا أن الإجابات التي قدمتها إدارة ترامب حتى الآن لم تُلبِّ تساؤلات الاتحاد.
وأضاف: "هناك تواصل مستمر مع الولايات المتحدة، لكن المطلوب المزيد".
وفي غضون ذلك، أعلنت الصين أنها تسعى للحصول على مزيد من المعلومات، وأنها تُجري مراجعة لحكم المحكمة، كما دعت الصين الولايات المتحدة إلى التخلي تمامًا عن تعريفاتها الجمركية.
وأفادت تقارير متعددة بأن المفاوضين التجاريين من الهند ألغوا رحلة مقررة إلى واشنطن لإجراء محادثات حول اتفاقية تجارية معلقة. ولم ترد وزارة التجارة الهندية على طلب للتعليق.
وبعد ساعات من صدور قرار المحكمة يوم الجمعة، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا يُفعِّل "تعريفة جمركية عالمية" بنسبة 10% بموجب قانون لم يتأثر بحكم المحكمة العليا.
وفي يوم السبت، أعلن ترامب أنه سيرفع هذه النسبة إلى 15%، على الرغم من أن البيت الأبيض لم يُصدر بعد أمرًا تنفيذيًا مُحدَّثًا.
وأعلنت إدارة الجمارك وحماية الحدود أنه سيتم إيقاف تحصيل رسوم الاستيراد التي كان من المفترض تحصيلها بموجب التعريفات التي أبطلتها المحكمة العليا، وذلك اعتبارًا من يوم الثلاثاء.
سيادة عدم اليقين
وأبطلت المحكمة العليا الأمريكية سياسة الرسوم الجمركية التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرةً أنه استخدم صلاحياته الاقتصادية الطارئة بشكل غير قانوني لفرض رسوم جمركية حسب رغبته.
وقضت المحكمة العليا الأمريكية بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لا يملك صلاحية فرض رسوم جمركية واسعة النطاق باستخدام صلاحياته الاقتصادية الطارئة، في ضربة قوية لسياسة التجارة الرئيسية للإدارة الأمريكية.
وفي حكم صدر بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، رأت المحكمة العليا أن قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية لعام 1977 (IEEPA)، وهو قانون يسمح للسلطة التنفيذية "بتنظيم الواردات" خلال حالات الطوارئ الوطنية، لا يُخوّل الرئيس فرض رسوم جمركية.
وكان ترامب قد استخدم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA) سابقًا لفرض رسوم جمركية شاملة في "يوم التحرير" ردًا على العجز التجاري الأمريكي، الذي زعم أنه "تهديد غير عادي واستثنائي" للولايات المتحدة.
كما استخدم هذه الصلاحيات لفرض رسوم جمركية على المكسيك وكندا والصين بإعلانه حالة طوارئ وطنية تتعلق بتدفق الفنتانيل عبر الحدود.
ووفق تقرير لصحيفة "أكونتينغ تايمز"، فإنه عقب قرار المحكمة العليا، سارعت الإدارة الأمريكية إلى تفعيل قانون تجاري آخر - يستند للمادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 - لفرض رسوم جمركية مؤقتة بنسبة 15% على جميع الدول، لمدة لا تتجاوز 150 يومًا. وفي الوقت نفسه، أشار مسؤولون أمريكيون إلى أنهم سيدرسون سبلًا قانونية بديلة لفرض الرسوم الجمركية.
وصرح كبير الاقتصاديين في شركة IFM Investors، أليكس جوينر، لصحيفة Accounting Times بأن فرض رسوم جمركية بنسبة 15% كان مخيبًا للآمال بالنسبة للتجارة العالمية.
وأضاف: "في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن الأمور تتجه نحو الانخفاض فيما يتعلق بالرسوم الجمركية، جاء هذا القرار ليزعزع الاستقرار مجددًا، وبينما كنا جميعًا على علم بصدور قرار المحكمة العليا، لم نكن نعرف رد فعل الإدارة".
ووفق تقرير لـ بي بي سي، أثار الإعلان الأخير للتعريفات، حالةً من عدم اليقين لدى دولٍ، من بينها المملكة المتحدة وأستراليا اللتان سبق لهما التفاوض على اتفاقيات تعريفية بنسبة 10% مع الولايات المتحدة.
وفي حين زادت تصريحات أخرى لترامب من المخاوف من إمكانية فرض رسوم جديدة على سلعٍ كانت مُعفاة حتى الآن.
يقول رئيس قسم السياسات التجارية في غرف التجارة البريطانية، ويليام بين، لـ"بي بي سي"، إن العديد من التساؤلات حول ما قد يحدث لاحقًا لا تزال بلا إجابة.
وأضاف: "هناك استياءٌ من التغييرات المستمرة، وانعدام الوضوح واليقين فيما يتعلق بالتعريفات الجمركية، وبالتالي الأسعار التي يُمكن للشركات فرضها على السلع بالنسبة للمستهلكين في الولايات المتحدة".
وتابع بقوله: "تشعر الشركات بالإحباط والضيق من التغييرات المستمرة في السياسات".