صدمة القارة العجوز.. خبير فرنسي يحذر من لحظة اقتصادية فارقة في أوروبا
أكد خبير اقتصادي فرنسي أن ما تشهده الأسواق اليوم ليس مجرد تقلب مؤقت، بل انعكاس لصدمة جيوسياسية أعمق تؤثر مباشرة في أسواق النفط والغاز الطبيعي، وتعيد مخاوف التضخم إلى الواجهة.
ومع تصاعد الحرب في الشرق الأوسط، بدأت البورصات الأوروبية تشهد تباطؤا واضحا بعد يومين متتاليين من الانخفاض الحاد، وهو ما يعكس تأثير الحرب في إيران على أسعار الطاقة وتوقعات المستثمرين.
وأشار الخبير الاقتصادي الفرنسي والمحلل المالي في معهد الدراسات الاقتصادية الأوروبية، سيريل لورو، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز إلى مستويات غير مسبوقة منذ عدة أشهر يعيد إلى الواجهة مخاوف الركود التضخمي، وهو ما قد يعيد البنوك المركزية إلى مربع التشديد النقدي بدلا من التيسير الذي توقعته الأسواق مؤخرا.
ويرى لورو أنه من منظور اقتصادي تعتمد الأسواق الأوروبية بشكل كبير على واردات الطاقة، خصوصا النفط والغاز الطبيعي المسال، موضحا أن تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، خلق اختلالا حقيقيا في ميزان العرض والطلب.
ولفت إلى أن هذا الاضطراب لم يؤد فقط إلى ارتفاع الأسعار، بل دفع توقعات التضخم إلى الصعود مجددا، ما قد يحد من قدرة شركات الصناعة والخدمات على التكيف مع تكاليف إنتاج أعلى.
وتابع: "مثل هذه الظروف تضعف الثقة في الأسواق المالية وتقلص شهية المخاطرة لدى المستثمرين".
واعتبر لورو أن المستثمرين يواجهون معضلة واضحة: هل يستثمرون في الأسهم مع استمرار ارتفاع أسعار الطاقة، أم يتجهون نحو الأصول الملاذية مثل الذهب والسندات السيادية؟
وأوضح أن هذا الارتفاع الحاد في مؤشرات التقلب، مثل مؤشر "الخوف" في وول ستريت، يعد إشارة واضحة إلى تصاعد مستويات عدم اليقين، مشيرا إلى أن مثل هذه القفزات في تقلبات الأسواق غالبا ما تؤدي إلى تقليص التدفقات الرأسمالية نحو الأصول عالية المخاطر، ما يعزز البيئات الانكماشية في الأسواق الأوروبية.
ومن ناحية السياسة النقدية، أكد الخبير أن صدمة أسعار الطاقة قد تكون كافية لإعادة النظر في مواعيد وخطط خفض أسعار الفائدة في منطقة اليورو.
وأضاف: "تتمتع البنوك المركزية الأوروبية بحيز محدود لاتخاذ قرارات مرنة في هذه المرحلة، إذ إن ارتفاع التضخم المرتبط بأسعار الطاقة يقوض جهود السيطرة عليه، بينما أي تشديد جديد في السياسة النقدية قد يضعف النمو الاقتصادي في وقت تسعى فيه أوروبا إلى تعزيز التعافي".
وأوضح أن هذا التوتر بين التضخم والنمو يجعل قرارات البنوك المركزية أكثر تعقيدا في مواجهة صدمات جيوسياسية متجددة.
واعتبر لورو أن السيناريو الأفضل الذي يمكن أن يأمله السوق يتمثل في تهدئة التوترات سريعا، بما يعيد استقرار أسعار النفط ويعزز ثقة المستثمرين. أما في حال استمرار الصراع، فقد تدخل الأسواق الأوروبية مرحلة أطول من التراجع، مع بقاء الضغوط التضخمية والتقلبات المالية سائدتين. وفي مثل هذه الأوضاع، ينصح الخبراء بضرورة تنويع المحافظ الاستثمارية والتركيز على أصول ذات عوائد ثابتة أو سلع أساسية، كوسيلة للتحوط في مواجهة بيئة مالية غير مستقرة.
ومع دخول الحرب في الشرق الأوسط يومها الخامس، شنت إسرائيل صباح الأربعاء ضربات جديدة على إيران ولبنان، وسُمعت انفجارات قوية في بيروت. وردت إيران بإطلاق صواريخ على الأراضي الإسرائيلية، ما زاد من حدة التوترات الإقليمية.
وأدت هذه المواجهات العسكرية خلال الأيام الماضية إلى تراجع ملحوظ في أسواق الأسهم، خصوصا في أوروبا وآسيا. فمنذ بداية الأسبوع، خسر مؤشر بورصة باريس "كاك 40" أكثر من 5%، ومؤشر "داكس" الألماني نحو 6%، ومؤشر "إف تي إس إي 100" البريطاني قرابة 4%.
ويعبر المستثمرون عن قلقهم إزاء الارتفاع الكبير في أسعار الوقود نتيجة اضطرابات إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط والغاز الطبيعي المسال عالميا.
وأكدت محللة بنك سويسكوت، إيبيك أوزكارديسكا، أن هذه الزيادة "تدفع بتوقعات التضخم إلى الأعلى"، مضيفة أن الأسواق تخشى أن يؤدي ذلك إلى "تشديد السياسة النقدية للبنوك المركزية"، بحسب ما نقلت محطة "فرانس 24" الفرنسية.
وتعتمد أوروبا بشكل خاص على وارداتها من الغاز والنفط، ولا يزال شبح الأزمة التضخمية يخيم على الأسواق، خاصة بعد موجة التضخم التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022.
وعلى صعيد التحركات الدولية، أكد دونالد ترامب أن البحرية الأمريكية مستعدة لمرافقة ناقلات النفط "إذا لزم الأمر" عبر مضيق هرمز، فيما أعلن الحرس الثوري الإيراني الأربعاء أنه يملك "السيطرة التامة" على هذا الممر الاستراتيجي.
وفي السياق ذاته، يرى جون بلاسارد، مسؤول استراتيجيات الاستثمار لدى بنك "سيتي جستيون برايفت بنك"، أن "هذه التصريحات قد لا تطمئن المستثمرين على المدى المتوسط"، مشيرا إلى استمرار حالة عدم اليقين في الأسواق الأوروبية بسبب التوترات الجيوسياسية، بحسب ما نقلت محطة "فرانس 24" الفرنسية.