هل يعود الدولار إلى 46 جنيها؟.. خبراء يرسمون سيناريوهات سوق الصرف في مصر
شهد الجنيه المصري تحسنا ملحوظا خلال الأيام الأخيرة، مدعوما بالتطورات الجيوسياسية الإيجابية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس سريعًا على سوق الصرف المحلية ودعم العملة المصرية أمام الدولار.
وتراجع سعر الدولار في البنوك المصرية إلى مستويات تقارب 49 جنيها، بعد فترة من التداول قرب مستوى 54 جنيها، وهي المستويات التي سجلها خلال ذروة التوترات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة منذ نهاية فبراير/شباط 2026، ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن مستقبل العملة الأمريكية خلال الفترة المقبلة.
يرى عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي في مصر، محمد أنيس، أن مسار سعر الصرف في مصر لا يزال مرتبطا بدرجة كبيرة بالتطورات الجيوسياسية العالمية، موضحا أن أي عودة للتوتر بين الولايات المتحدة وإيران أو استئناف العمليات العسكرية قد تدفع الدولار مجددًا إلى تجاوز مستوى 50 جنيها.
وقال أنيس إن خروج جزء من الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة من أدوات الدين الحكومية خلال فترات الاضطراب كان من أبرز العوامل التي ضغطت على سوق الصرف، مشيرا إلى أن استمرار حالة التهدئة الحالية قد يدفع الدولار للتحرك داخل نطاق يتراوح بين 48 و50 جنيها، باعتباره مستوى أكثر اتزانا مع المعطيات الاقتصادية الراهنة.
وأضاف أن أي تصعيد جديد قد يعيد العملة الأمريكية إلى نطاق يتراوح بين 52 و54 جنيها، وهو ما يرتبط بشكل مباشر بحركة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية إلى الأسواق الناشئة.
عودة الاستثمارات الأجنبية
ووفقا لبيانات حديثة، بلغ إجمالي رصيد الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة نحو 53.9 مليار دولار، بزيادة شهرية بلغت 4.8% مقارنة بنحو 51.42 مليار دولار في ديسمبر/كانون الأول 2025، مدعومًا بتحرير سعر الصرف واستمرار التعاون مع صندوق النقد الدولي.
في المقابل، شهدت الأسواق المصرية خروج نحو 10 مليارات دولار من تلك الاستثمارات خلال فترة التوترات العسكرية المرتبطة بالأزمة الإيرانية، بحسب تقديرات وكالة ستاندرد آند بورز.
وأشار محمد أنيس إلى أن الضغوط التي دفعت الدولار للصعود خلال الأشهر الماضية بدأت تتراجع تدريجيا، خاصة مع انخفاض أسعار النفط العالمية من مستويات قاربت 126 دولارا للبرميل إلى نحو 80 دولارا، بالتزامن مع عودة جزء من التدفقات الاستثمارية الأجنبية إلى أدوات الدين المحلية.
كما أظهرت بيانات سوق الإنتربنك ارتفاع حجم التعاملات بنسبة 26.3% خلال مارس/آذار 2026 ليصل إلى نحو 9.35 مليار دولار، مقارنة بنحو 7.4 مليار دولار في فبراير/شباط من العام نفسه، ما يعكس زيادة الطلب على العملة الأمريكية خلال فترة التوترات.
سعر الصرف المرن يمتص الصدمات
من جانبه، أكد الخبير المصرفي المصرفي، عز الدين حسانين، أن البنك المركزي المصري نجح في إدارة تداعيات التوترات الجيوسياسية عبر تطبيق سياسة سعر الصرف المرن، والتي ساهمت في امتصاص الصدمات الخارجية والحد من تقلبات السوق.
وأوضح حسانين أن الارتفاع الذي شهده الدولار خلال فترة الحرب لا يعكس أزمة حقيقية في توافر النقد الأجنبي، وإنما يمثل استجابة مؤقتة لخروج الاستثمارات قصيرة الأجل من الأسواق الناشئة.
وأضاف أن ما وصفه بـ"التسعير العقابي" لسعر الصرف خلال فترات الاضطراب ساهم في تقليص المكاسب التي يحققها المستثمرون عند الخروج السريع من السوق، وهو ما ساعد على حماية الاستقرار النقدي.
وتوقع حسانين استمرار تحسن الجنيه المصري خلال الفترة المقبلة، مرجحًا تراجع الدولار إلى مستويات تتراوح بين 46 و47 جنيهًا إذا استمرت حالة التهدئة الإقليمية وتراجعت المخاطر الجيوسياسية.
نظرة إيجابية من المستثمرين الأجانب
قال مدير المحافظ لدى فريق الأسواق الناشئة في شركة "ناينتي وان" لإدارة الأصول في لندن، ثيس لو، إن الجنيه المصري أصبح يمثل فرصة استثمارية جاذبة للمستثمرين على المدى القصير، في ظل توقعات باستمرار تحسن العملة المحلية واقترابها من مستويات ما قبل أزمة العملة.
سلطت وكالة بلومبرغ الضوء على الأداء القوي للجنيه المصري، مؤكدة أنه تصدر قائمة العملات الأفضل أداءً أمام الدولار عالميًا خلال الأيام الأخيرة، مستفيدًا من انخفاض أسعار النفط واستمرار تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى السوق المصرية.
وذكرت الوكالة في تقرير بعنوان "الجنيه المصري يصبح الأفضل أداءً عالميًا مقابل الدولار" أن العملة المصرية ارتفعت بنحو 4% أمام الدولار منذ الجمعة الماضي، متفوقة على جميع العملات التي تتابعها الوكالة حول العالم.
وأشارت إلى أن تراجع أسعار النفط العالمية بعد الاتفاق الأمريكي الإيراني بشأن إعادة فتح مضيق هرمز ساهم في دعم الاقتصاد المصري باعتباره من الاقتصادات المستوردة للطاقة، وهو ما انعكس إيجابًا على فاتورة الواردات والضغوط التضخمية.
وأكدت بلومبرغ أن استمرار تطبيق نظام سعر الصرف المرن وتعزيز دور آليات السوق في تحديد قيمة العملة عززا ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المصري، وهو ما انعكس في تحسن أداء الجنيه وزيادة جاذبية أدوات الدين المحلية.
وبينما تتراوح التوقعات بين هبوط الدولار إلى مستويات 46 جنيهًا أو عودته إلى نطاق 52 جنيهًا، يبقى مسار العملة الأمريكية في مصر رهينًا بتطورات المشهد الجيوسياسي في المنطقة، وقدرة الاقتصاد المصري على الحفاظ على تدفقات النقد الأجنبي واستمرار ثقة المستثمرين خلال المرحلة المقبلة.