فرنسا أمام «ذئاب منفردة» مراهِقة.. جذور الأزمة وروشتة المعالجة (خبراء)
منحى خطير اتخذه «التطرف» في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، لم يعد مجرد موجة عابرة مرتبطة بظرف أمني محدد، بل بات يمثل تحولًا بنيويًا في طبيعة التهديد الإرهابي، مما يستدعي طرقًا للمعالجة تتناغم مع تلك التغيرات.
ووجهت السلطات الفرنسية اتهامات لفتيين يبلغان من العمر 16 عامًا، للاشتباه في تخطيطهما لتنفيذ هجوم ذي طابع إرهابي شمال البلاد، مما أطلق صرخة إنذار من ظاهرة تطرف المراهقين في فرنسا، التي تشهد منحى خطيرًا خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد استهداف الفئات العمرية الصغيرة عبر المنصات الرقمية.
وأفاد الادعاء الوطني الفرنسي المختص بقضايا مكافحة الإرهاب بأن فتيين في السادسة عشرة من العمر وُجِّهت إليهما اتهامات رسميًا يوم الجمعة، للاشتباه في تخطيطهما لتنفيذ هجوم إرهابي. وتم توقيفهما الثلاثاء الماضي في شمال فرنسا، ويلاحقان بتهمة «تكوين عصابة إجرامية بهدف الإعداد لارتكاب جرائم اعتداء على الأشخاص»، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
أسباب تصاعد تطرف المراهقين
يقول الخبير الفرنسي في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، جون برنارد بيناتل، وهو عقيد متقاعد في الاستخبارات الحربية للجيش الفرنسي ورئيس مركز الدراسات حول المستقبل والأمن، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن المنصات الرقمية تمثل بيئة خصبة لإعادة إنتاج الخطاب المتطرف.
وأوضح أنه «بمجرد بحث المستخدم عن محتوى عنيف أو ذي طابع صدامي، تدفعه الخوارزميات تدريجيًا نحو محتويات أكثر تطرفًا»، وهو أمر استثمرته «التنظيمات المتشددة، والتي اعتمدت على مقاطع قصيرة ومكثفة تستهدف الفئات العمرية الصغيرة بلغة عاطفية ورمزية قوية».
وأضاف أن المراهق في هذه المرحلة العمرية يكون أكثر قابلية لتبني خطاب ثنائي حاد يقوم على فكرة «نحن ضدهم»، خاصة إذا كان يشعر بالتهميش أو فقدان المعنى، مما يحول الدعاية إلى أداة لإعادة تفسير مشكلاته الشخصية باعتبارها نتيجة «ظلم اجتماعي» أو «عداء ثقافي»، يدفعه إلى اللجوء للعنف.
ورأى أن «التطرف المعزول أو الاستقطاب الفردي عبر الإنترنت بات يشكل التهديد الأكبر؛ إذ يمكن أن يتحول مراهق يعيش حالة هشاشة نفسية أو فشل دراسي إلى مشروع منفذ لهجوم خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا، دون أن يمر بمراحل تجنيد كلاسيكية».
أزمة هوية واستغلال الهشاشة
من منظور استراتيجي، رأى بيناتيل أن التطرف في صفوف القُصّر يرتبط بأزمة هوية عميقة، موضحة أن الكثير من الحالات التي تم رصدها خلال السنوات الأخيرة تتعلق بشباب يعيشون عزلة اجتماعية أو صعوبات مدرسية، ويبحثون عن اعتراف أو مكانة، مشيرًا إلى أن الأيديولوجيا المتشددة تمنحهم شعورًا بالقوة والانتماء والبطولة الزائفة.
وأكد أن التنظيمات الإرهابية لم تعد تركز على التجنيد المنظم بقدر ما تشجع على «المبادرة الفردية»؛ أي تنفيذ هجمات في أي مكان وبأي وسيلة متاحة، دون الحاجة إلى تنسيق مباشر، في أسلوب ضاعف من صعوبة التنبؤ بالمخاطر، لأن عملية التطرف قد تتم بالكامل داخل غرفة نوم المراهق عبر هاتفه المحمول.
من جهته، قال أستاذ علم الجريمة والخبير الفرنسي في قضايا الأمن والإرهاب، آلان باور لـ«العين الإخبارية»، إن ظاهرة تورط المراهقين في مشاريع إرهابية تمثل أخطر تحوّل في مشهد التهديد خلال العقد الأخير.
وأكد باور أن ما يميّز المرحلة الحالية هو «تسارع مسار التطرف»؛ إذ لم يعد الأمر يحتاج إلى سنوات من التأطير الأيديولوجي، بل قد يحدث خلال أسابيع قليلة عبر التعرض المكثف لمحتوى متطرف على المنصات الرقمية.
ورأى الخبير الفرنسي في قضايا الأمن والإرهاب أن الفئة العمرية بين 15 و20 عامًا أصبحت الأكثر عرضة لهذا النمط من الاستقطاب، بسبب هشاشتها النفسية وسعيها لإثبات الذات.
الذئاب المنفردة
وأشار باور إلى أن التنظيمات الإرهابية، بعد الضربات الأمنية المتتالية التي تلقتها، غيّرت استراتيجيتها من الاعتماد على خلايا منظمة إلى تشجيع ما يسميه «الذئاب المنفردة»، معتبرا أن هذا التغيير يمنح هذه التنظيمات قدرة على التأثير بأقل تكلفة تنظيمية، إذ يكفي نشر خطاب تعبوي لإلهام أفراد معزولين لتنفيذ هجمات دون اتصال مباشر.
وحذر من أن هذا النمط يصعّب عمل أجهزة الأمن، لأن المؤشرات التقليدية للرصد لم تعد كافية، خاصة عندما يتعلق الأمر بقاصرين يعيشون داخل أسرهم ولم يسبق لهم الاحتكاك بشبكات متشددة معروفة.
وأكد أن فرنسا تواجه «تهديدًا متحولًا» لا يعتمد فقط على الأيديولوجيا، بل يستغل مشاعر الإحباط والعزلة لدى بعض الشباب، ما يجعل المعركة ضد التطرف معركة طويلة الأمد تتجاوز البعد الأمني إلى أبعاد اجتماعية وثقافية عميقة.
مخاطر
وحذر الخبير الفرنسي في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، جون برنارد بيناتل، من أن تصاعد ظاهرة تطرف المراهقين في فرنسا يمثل تحولًا بنيويًا في طبيعة التهديد الإرهابي، وليس مجرد موجة عابرة مرتبطة بظرف أمني محدد.
«أخطر ما في الظاهرة هو انتقال مركز الثقل من الشبكات الإرهابية المنظمة ذات التسلسل القيادي الواضح إلى أفراد قُصّر يتحركون بدافع ذاتي، متأثرين بالدعاية الرقمية»، يضيف بيناتيل، مشيراً إلى أن هذا النمط الجديد يصعب عمل الأجهزة الأمنية، لأن المؤشرات التقليدية مثل السفر إلى مناطق نزاع أو التواصل المباشر مع عناصر متشددة لم تعد شرطًا مسبقًا للانتقال إلى الفعل.
آلية المعالجة
واعتبر بيناتيل أن الرد الأمني وحده غير كافٍ، رغم أهميته؛ فالمقاربة الفعالة، بحسب رأيه، يجب أن تكون متعددة الأبعاد وتشمل:
- تعزيز المراقبة الاستخباراتية الرقمية ضمن الأطر القانونية
- تطوير برامج وقائية داخل المدارس لرصد مؤشرات التطرف المبكر
- دعم الأسر التي تلاحظ تغيرات سلوكية حادة لدى أبنائها
- الاستثمار في خطاب مضاد على المنصات الرقمية يستهدف الفئات نفسها بلغتها وأدواتها.
وحذر من أن تجاهل البعد الاجتماعي قد يؤدي إلى استمرار إنتاج «جيل جديد من المتطرفين» يتحرك خارج الأطر التنظيمية المعروفة، ما يعني بقاء مستوى التهديد مرتفعًا لفترة طويلة.
بدوره، قال أستاذ علم الجريمة والخبير الفرنسي في قضايا الأمن والإرهاب، آلان باور، إن المدرسة تمثل خط الدفاع الأول؛ إذ يمكن للمعلمين ملاحظة التغيرات المفاجئة في السلوك أو الخطاب مشددًا على أهمية تمكين الأسر من أدوات الفهم والتبليغ المبكر، بدل الاكتفاء بالمقاربة العقابية بعد وقوع الخطر.
استراتيجية شاملة
ودعا آلان باور إلى ضرورة مواجهة تطرف المراهقين، من خلال مقاربة متكاملة تجمع بين اليقظة الاستخباراتية في الفضاء الرقمي، وبرامج وقائية وتوعوية داخل المؤسسات التعليمية، والدعم نفسي واجتماعي للفئات الهشة، والخطاب مضاد فعال يواجه السرديات المتطرفة بلغتها نفسها.
مخطط هجوم
وأفاد الادعاء الوطني الفرنسي المختص بقضايا مكافحة الإرهاب بأن فتيين في السادسة عشرة من العمر وُجِّهت إليهما اتهامات رسميًا يوم الجمعة، للاشتباه في تخطيطهما لتنفيذ هجوم إرهابي. وتم توقيفهما الثلاثاء الماضي في شمال فرنسا، ويلاحقان بتهمة «تكوين عصابة إجرامية بهدف الإعداد لارتكاب جرائم اعتداء على الأشخاص»، بحسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.
ووضع المشتبه به الرئيسي رهن الحبس الاحتياطي، في حين خضع الثاني للرقابة القضائية. كما فُتح تحقيق قضائي بإشراف قاضٍ مختص لمتابعة ملابسات القضية.
وأقر أحد المراهقين، الذي وُصف بأنه كان مفتونًا بالأيديولوجيا الإرهابية المتطرفة، بأنه كان يخطط لتنفيذ «عمل عنيف» قد يستهدف مركزًا تجاريًا أو قاعة حفلات موسيقية.
وكشف الادعاء أن المتهم الرئيسي كان ينوي سرقة سلاح ناري، واعترف كذلك بشراء مواد كيميائية بهدف إجراء اختبارات احتراق في منزله. أما المراهق الثاني، فقد كان على علم بالمخططات، ويُشتبه في أنه ساهم في تعزيز القناعات المتطرفة العنيفة لدى زميله.
مؤشر خطير
وتشير المعطيات الرسمية إلى تصاعد ملحوظ في عدد القصر المتابعين في قضايا الإرهاب. فقد صرح المدعي العام لمكافحة الإرهاب، أوليفييه كريستين، أواخر عام 2025، بأن السنوات الأربع أو الخمس الأخيرة شهدت «انخفاضًا واضحًا في متوسط أعمار المتهمين، مع تزايد عدد من هم دون العشرين، بل وكثرة القصر».
وأوضح أن الغالبية من الذكور، وغالبًا ما تكون خلفياتهم مرتبطة بالعزلة الاجتماعية أو الفشل الدراسي أو الانفصال النسبي عن البيئة المدرسية.
ووفق أرقام رسمية، تم توجيه اتهامات إلى 22 قاصرًا في عام 2025 في قضايا إرهابية، ما يمثل ثلث القضايا المفتوحة خلال ذلك العام و20% من إجمالي المتهمين.