خطاب من قلب الغواصات.. ماكرون يكشر عن أنيابه النووية
يستعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للكشف عن خطط بلاده النووية، وسط قلق بعض الدول الأوروبية من التزام واشنطن.
ويوم الإثنين المقبل، سيُطلع ماكرون، صاحب سلطة استخدام الترسانة النووية الفرنسية، بلاده على التوجهات المحتملة لاستخدام الرؤوس الحربية المحمولة على الغواصات والطائرات، إذا ما وصل الأمر إلى ذلك.
ويُعد اختيار جزيرة لونغ، قاعدة الغواصات الفرنسية الأربع المسلحة نوويا، موقعا لخطاب ماكرون، بمثابة تأكيد على امتلاك الرؤساء الفرنسيين أيضا قوة نووية تحت تصرفهم في عالم يزداد اضطرابا. إذ تستطيع كل غواصة حمل 16 صاروخا باليستيا عابرا للقارات من طراز إم-51 مزودا برؤوس حربية متعددة، بحسب ما طالعته "العين الإخبارية" في وكالة أسوشيتد برس.
يأتي هذا في ظل مخاوف أوروبية من أن يمتد النشاط الحربي الروسي إلى ما وراء أوكرانيا، وشكوك حول مدى ثبات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كحليف.
ولعقود طويلة، عاشت أوروبا تحت مظلة الحماية التي توفرها الأسلحة النووية الأمريكية، المتمركزة في القارة منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي لصد الاتحاد السوفياتي السابق، وروسيا حاليا.
إلا أن بعض السياسيين والمحللين العسكريين الأوروبيين بدأوا مؤخرا يتساءلون عما إذا كان بالإمكان الاعتماد على واشنطن لاستخدام هذه القوة عند الضرورة.
وباعتبارها العضو الوحيد الحائز على أسلحة نووية في الاتحاد الأوروبي المكون من 27 دولة، فإن هذه التساؤلات تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لفرنسا.
ووفق أسوشيتد برس، قد تكون التعديلات المحتملة على سياسة الردع النووي الفرنسية، والتي من المؤكد أنها ستخضع لمراجعة دقيقة وتدقيق من قبل الحلفاء والأعداء المحتملين على حد سواء، من بين أهم القرارات التي سيتخذها ماكرون خلال الأشهر الأربعة عشر المتبقية من ولايته الرئاسية، قبل انتخابات اختيار خليفته في عام 2027.
ويشعر ماكرون بضرورة إظهار قوة فرنسا النووية، في ما سيكون ثاني خطاب رئيسي للقائد الأعلى يحدد فيه موقف الردع الوطني منذ انتخابه في عام 2017.
ومن بين المشككين في مصداقية واشنطن، راسموس جارلوف، رئيس لجنة الدفاع في البرلمان الدنماركي.
وقال في مقابلة مع وكالة أسوشييتد برس: "إذا تفاقم الوضع، أشك بشدة في أن يخاطر ترامب بالمدن الأمريكية لحماية المدن الأوروبية. لا نعلم، لكن يبدو الاعتماد على الحماية الأمريكية محفوفا بالمخاطر".
ويرى جارلوف أنه على المدى البعيد، تحتاج دول أوروبية أخرى أيضا إلى تسليح نفسها بأسلحة نووية، وهو احتمال يكاد يكون مستحيلا في ظل ما كان يُعتقد سابقا عن الحماية الأمريكية المطلقة.
وأضاف: "دول الشمال لديها القدرة. لدينا اليورانيوم، ولدينا علماء نوويون. نستطيع تطوير أسلحة نووية. لكن في الواقع، سيستغرق الأمر وقتا طويلا. لذا، على المدى القريب، نتطلع إلى فرنسا".
التكيف مع المخاطر الجيوسياسية
وشهد العالم تغيرات جذرية منذ خطاب ماكرون الأول حول السياسة النووية عام ٢٠٢٠، حيث أدت حالة عدم اليقين الجديدة إلى إزاحة اليقينيات القديمة.
وقد جلبت الحرب الأوكرانية التي دخلت عامها الخامس، الصراع إلى عتبة الاتحاد الأوروبي، وتكررت التهديدات باستخدام الأسلحة النووية من قبل روسيا.
الصين هي الأخرى توسع ترسانتها النووية، وكذلك يفعل الجيش الكوري الشمالي المسلح نوويا.
وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تحدث ترامب عن نية الولايات المتحدة استئناف التجارب النووية لأول مرة منذ عام 1992، على الرغم من أن وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت صرّح لاحقا بأن هذه التجارب لن تتضمن تفجيرات نووية.
أما روسيا فقد عدلت سياستها الردعية عام 2024، وخفّضت من معايير الرد النووي.
وأعلنت بريطانيا عن خطط لشراء طائرات مقاتلة من طراز إف-35 إيه أمريكية الصنع قادرة على حمل رؤوس نووية، ما يعيد إليها القدرة على شن غارات جوية نووية كانت قد تخلت عنها في تسعينيات القرن الماضي، ولم يتبق لديها سوى صواريخ نووية محمولة على غواصات.
القوة النووية الفرنسية
في عام 2020 صرح ماكرون بأن فرنسا تمتلك أقل من 300 رأس نووي، وهو رقم ظل ثابتا منذ أن أعلن الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عن خفض طفيف إلى هذا المستوى في عام 2008.
وقال ماكرون إن هذه القوة كافية لإلحاق "ضرر غير مقبول على الإطلاق" بـ"المراكز الحيوية السياسية والاقتصادية والعسكرية" لأي دولة تهدد "المصالح الحيوية" لفرنسا، "مهما كانت".
وسيترقب خبراء الطاقة النووية أي تلميح من ماكرون بأنه لم يعد يعتبر المخزون الفرنسي كافيا، وأنه قد يحتاج إلى زيادة.
لكن عادة ما تُحاط لغة الردع بالغموض المتعمد، لإبقاء الأعداء المحتملين في حيرة من أمرهم بشأن الخطوط الحمراء التي قد تفضي إلى رد نووي.
وكان المسؤولون من مكتب ماكرون، الذين تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم لمناقشة التغييرات المحتملة في السياسة النووية، حذرين للغاية في صياغتهم، لا سيما وأن الردع من صلاحيات الرئيس الحصرية.
وقال أحد المسؤولين: "لا شك أن هناك بعض التحولات، وتطورات جوهرية إلى حد ما".
من جهتها، لفتت هيلويز فاييه، المتخصصة في الردع النووي في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وهو مركز أبحاث في باريس إلى أن"هناك توقعات عالية من الحلفاء والشركاء، وربما من الخصوم أيضا، بشأن كيفية تطور العقيدة النووية الفرنسية".
وفي مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس، أعربت فاييه عن أملها في حدوث "تغييرات حقيقية".
وأضافت "ربما يتعلق الأمر بالتزام فرنسي أكبر وأوضح بحماية الحلفاء، بفضل الأسلحة النووية الفرنسية".