مناورة مالية أم خدعة محاسبية.. قصة بيع فرنسا ذهبها في نيويورك وإعادة شرائه
عملية مالية غامضة نفذتها فرنسا؛ باعت ذهبها في نيويورك.. ثم اشترته مجددًا خلال أيام. فهل هي مناورة ذكية أم لعبة محاسبية؟
عملية مالية معقدة لبنك فرنسا شملت بيع جزء من احتياطياته الذهبية في الولايات المتحدة وإعادة استثمار العائدات فورا، حسب تقرير لصحيفة "ليبراسيون" الفرنسية.
الخطوة أثارت تساؤلات واسعة في الأوساط الاقتصادية، وسط تحليل لسبب هذه التحركات وأثرها على الأسواق والاستثمارات العالمية.
وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن العملية، التي بدت للبعض كأنها "ضربة حظ" بمليارات اليوروهات، تخفي في الواقع أهدافًا محاسبية واستراتيجية أعمق.
أين تكمن الخدعة المحاسبية؟
أفادت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، أن بنك فرنسا باع منذ يوليو/ تموز 2025 نحو 129 طنًا من الذهب كانت مخزنة لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، محققًا أرباحًا استثنائية بلغت 12.8 مليار يورو.
هذه الأرباح جاءت نتيجة الارتفاع الكبير في أسعار الذهب عالميًا، حيث تجاوز سعر الأونصة في الأشهر الأخيرة حاجز 5 آلاف دولار، وهو أعلى مستوى تاريخي تقريبًا، ما سمح للبنك بتحقيق مكاسب ضخمة مقارنة بسعر الشراء القديم.
- 4 استثمارات لا تتأثر بالحروب.. خيارات ذكية لحماية أموالك
- توقعات سوق الذهب عالمياً.. 10 آلاف دولار للأوقية بحلول 2030
كيف باعت فرنسا ذهبها دون أن تخسره؟
لكن المفارقة، كما تشير "ليبراسيون"، أن بنك فرنسا لم يقلص احتياطياته من الذهب، بل أكد أن المخزون "بقي وسيبقى ثابتًا عند 2437 طنًا".
فبعد عملية البيع، أعاد البنك استثمار العائدات بالكامل في شراء سبائك ذهب جديدة، ما يعني أن العملية لم تكن تخليًا عن الذهب، بل إعادة هيكلة للأصول في توقيت مالي مناسب.
أرقام سريعة
نحو 129 طنًا من الذهب شملتها العملية
أكثر من 15 مليار دولار أرباحًا تقديرية
0 % تغيير في إجمالي احتياطي الذهب
لماذا فعلت فرنسا ذلك؟
أوضحت الصحيفة أن الهدف الأساسي من هذه الخطوة كان تحسين الوضع المالي للبنك، حيث سمحت الأرباح المحققة بإعادة التوازن إلى حساباته، وإخراجها من حالة العجز إلى الفائض.
ووفقاً للصحيفة الفرنسية، فإنه بعبارة أخرى، استغل البنك ارتفاع الأسعار لتحقيق أرباح "دفترية" دون المساس الفعلي بحجم احتياطياته، وهو ما يشبه، وفق وصف الصحيفة، “حيلة مالية ذكية” أكثر من كونه تغييرًا في السياسة النقدية.
كيف حققت فرنسا أرباحًا من العملية؟
المفتاح هنا يكمن في توقيت التنفيذ.
فقد جرت العملية خلال فترة ارتفاع أسعار الذهب عالميًا، ما سمح لبنك فرنسا بتحقيق مكاسب مالية كبيرة من فروق الأسعار، إلى جانب تسجيل أرباح محاسبية ناتجة عن استبدال سبائك قديمة بأخرى أكثر توافقًا مع المعايير الدولية.
وبحسب البيانات، ساهمت هذه الخطوة في تحقيق مكاسب بمليارات الدولارات، دون المساس بحجم الاحتياطي.
احتياطي استراتيجي عالمي
ويعد احتياطي الذهب الفرنسي من الأكبر عالميًا، حيث يحتل المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة وألمانيا وإيطاليا، ما يجعل أي تحرك يتعلق به ذا أهمية كبيرة على المستوى الدولي.
وأكد بنك فرنسا، بحسب "ليبراسيون"، أن هذه العملية لا تعكس أي تغيير في استراتيجيته طويلة المدى تجاه الذهب، الذي لا يزال يُنظر إليه كأصل آمن وركيزة أساسية للاستقرار المالي.
بين الذكاء المالي والجدل
يرى خبراء أن ما قامت به فرنسا لا يعد خدعة، بل خطوة تقنية معروفة في إدارة الاحتياطيات، تُستخدم لتحسين جودة الأصول وتعظيم العوائد.
لكن في المقابل، يعتبر البعض أن تسجيل أرباح دون تغيير فعلي في حجم الاحتياطي يطرح تساؤلات حول الطبيعة “المحاسبية” لهذه المكاسب.
ماذا تعني هذه الخطوة عالميًا؟
تعكس هذه العملية تحولًا أوسع في سياسات البنوك المركزية، التي باتت تنظر إلى الذهب ليس فقط كمخزن للقيمة، بل كأداة مالية يمكن إعادة تدويرها وتحقيق أرباح منها.
كما تعكس أيضًا تزايد أهمية المعايير الفنية للذهب في الأسواق العالمية، حيث لم يعد الاحتفاظ بالمعدن كافيًا، بل يجب أن يكون قابلًا للتداول بكفاءة.