فرنسا تفتح جبهة «التغلغل الصامت» عبر مقاربة صارمة تتصدى لاستراتيجية الإخوان لاختراق الدولة من الداخل وتقويض قسم الجمهورية.
وأمس الأربعاء، اعتمد مجلس الشيوخ الفرنسي، بالأغلبية الساحقة، مقترح قانون زعيم الجمهوريين لمكافحة "تغلغل الإسلام السياسي".
خطوة تعكس تصاعد الجدل السياسي في فرنسا حول قضايا الهوية والأمن والتماسك المجتمعي، والدعوات للتصدي لتغلغل الإخوان وسعيهم لأخونة المجتمع.
وفي تعقيبهم، يرى خبراء سياسيون فرنسيون أن اعتماد مجلس الشيوخ لمشروع قانون مكافحة “التغلغل” المرتبط بالإخوان يمثل خطوة سياسية وتشريعية مهمة في مقاربة الدولة الفرنسية لملف التنظيمات المتطرفة ذات الطابع الأيديولوجي.
كما يعتبرون أنه يشكل خطوة تعكس تصاعد القلق داخل المؤسسات الفرنسية من أشكال "الاختراق الناعم" التي لا تعتمد العنف المباشر بقدر ما تستهدف التأثير التدريجي داخل المجتمع والمؤسسات.
دلالات
يقول جون سيلفستر مونجريني، الباحث السياسي الفرنسي في "معهد توماس مور للدراسات السياسية" بباريس، لـ"العين الإخبارية"، إن "جماعة الإخوان تعتمد استراتيجية التغلغل التدريجي بدل المواجهة المباشرة"، مؤكدا أن القانون يمثل "خطوة ضرورية لحماية الدولة من إعادة تشكيل الهوية من الداخل".
ويضيف مونجريني أن "التأخر في التعامل مع هذه الظاهرة سمح لها بالانتشار داخل بعض الهياكل المجتمعية"، مشددا على أن المواجهة يجب أن تكون قانونية وفكرية في آن واحد، وليس أمنية فقط.
وأوضح أن اعتماد مشروع القانون الذي طرحه برونو ريتايو، وزير الداخلية السابق وزعيم حزب الجمهوريين ومرشحهم للانتخابات الرئاسية الفرنسية 2027، بأغلبية 208 أصوات مقابل 124، يحمل عدة دلالات سياسية وقانونية.
واعتبر مونجريني أن القانون يعكس إقرارا مؤسساتيا بأن هناك نمطا من النشاط السياسي–الديني يعرف بـ"التغلغل" أي التسلل إلى الجمعيات والمؤسسات العامة والخاصة بهدف التأثير طويل المدى على القيم الجمهورية.
من المقاربة الأمنية إلى الوقائية
ووفقا للباحث الفرنسي، فإن الجماعة لم تعد تركز فقط على الإرهاب العنيف، بل امتدت إلى الشبكات الفكرية والتنظيمية التي تعمل داخل الإطار القانوني ظاهريا لكنها تسعى لتغيير البنية الاجتماعية والسياسية.
وأشار إلى أن مشروع القانون يمثل أيضا "علامة سياسية" لليمين الفرنسي، خاصة في سياق التنافس مع الحكومة بقيادة لوران نونيز، حيث يسعى كل طرف لإظهار قدرته على الحزم في قضايا الأمن والهُوية.
ماذا بعد؟
ينص المشروع على حزمة من الإجراءات التي يمكن تصنيفها في أربعة محاور رئيسية هي:
تشديد الرقابة على الجمعيات.
تسهيل حل الجمعيات التي يُشتبه في ارتباطها بأجندات متطرفة.
مراقبة مصادر التمويل، خاصة الخارجية.
فرض شفافية أكبر على الأنشطة الثقافية والدينية.
من جهته، يعتبر الباحث السياسي الفرنسي ومدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية باسكال بونيفاس، أن "التغلغل” ليس نظرية بل واقع موثق في عدد من الدراسات، موضحا أن المشروع القانوني يعالج ثغرات استغلتها هذه التنظيمات لعقود.
ويشير بونيفاس، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى أنه من الضروري الفصل بين الإسلام كدين والتنظيمات ذات الأجندة السياسية، مشددا على أن حماية العلمانية الفرنسية تتطلب أدوات قانونية جديدة تتناسب مع طبيعة التهديد غير التقليدي.
وبحسب الباحث الفرنسي، فإنه رغم الدعم، يواجه المشروع عدة تحديات، وهي "تواطؤ اليسار الراديكالي الفرنسي مع الإخوان في فرنسا"، لكنه رأى أن اعتماد مشروع القانون في مجلس الشيوخ يمثل خطوة سياسية قوية في اتجاه تشديد الرقابة على التغلغل الأيديولوجي للإخوان وضروري لحماية الجمهورية.
"مرحلة جديدة"
ويؤكد بونيفاس أن "فرنسا تدخل مرحلة جديدة في تعاملها مع هذه التنظيمات، حيث لم يعد التهديد يقاس فقط بالأعمال الإرهابية، بل أيضا بالقدرة على التأثير البطيء داخل المجتمع".
ويلفت إلى أن مشروع القانون يرتكز على مقاربة شاملة تجمع بين الحزم القانوني والضبط المؤسسي والمواجهة الفكرية، حيث ينص على تعزيز العقوبات القانونية عبر تشديدها على كل الأفعال التي تُعد مساسا بقيم الجمهورية، مع تجريم أنماط جديدة من الأنشطة التي تتحرك في المنطقة الرمادية بين القانوني وغير القانوني.
ويتابع: "كما يسعى إلى ضبط المجال الديني من خلال فرض رقابة أكثر صرامة على بناء دور العبادة، وتنظيم الخطاب الديني والحد من التأثيرات الأجنبية، إلى جانب مراقبة الأئمة والمؤسسات الدينية".
وفي موازاة ذلك، يختم، "يعتمد مشروع القانون على المواجهة الرقمية والفكرية عبر تسريع إزالة المحتوى المتطرف على الإنترنت، وإمكانية فرض رقابة على بعض المنشورات، مع دعم خطاب مضاد يعزز قيم العلمانية ويحصّن المجتمع من التأثيرات الأيديولوجية المتطرفة".
مضمون مشروع القانون
ويتضمن المشروع حزمة من الإجراءات، من بينها تسهيل حل الجمعيات، وتشديد العقوبات على المساس بـ"مبادئ الجمهورية"، وفرض رقابة أكثر صرامة على بناء دور العبادة، وتجميد أصول الجماعات الانفصالية.
وقال ريتايو: "يجب أن نكون حازمين للغاية، بلا تهاون، تجاه هذه التيارات التي تسعى إلى تقويض تماسكنا الاجتماعي والشكل الجمهوري لمؤسساتنا".
ويستند المشروع إلى تقرير كان قد نشره عام 2025 عندما كان وزيرًا للداخلية، ويتناول "التغلغل" في فرنسا المرتبط بجماعة الإخوان وتأثيره على القيم الجمهورية.
ويأتي هذا التحرك ضمن خطوات أوسع للحكومة التي تعمل على مسار آخر يتمثل في إعداد مشروع قانون مستقبلي لمكافحة الانفصالية والتغلغل، أُعلن عنه مطلع أبريل/نيسان الماضي من قبل وزير الداخلية لوران نونييز، ويخضع حاليًا للدراسة في مجلس الدولة، أعلى سلطة قضائية إدارية في فرنسا.