مسارٍ معقّد من الهدنة والمفاوضات، أعقب توقف العمليات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، وتوقف اعتداءات إيران على دول جوارها.
غير أن هذا التعليق للضربات والعمليات العسكرية، مع استمرار التوتر في مضيق هرمز، لم يؤدِّ إلى اتفاق رغم انعقاد جولة محادثات إسلام آباد والمساعي الحميدة الباكستانية.
وقد قدّمت طهران مقترحًا معدّلًا هدفه استمرار بقاء نظام ملالي إيران، والنفوذ الإقليمي ليس سياسيًا وأمنيًا وحسب، بل اقتصاديًا عبر الهيمنة على مضيق هرمز.
وفي المقابل، تعاملت واشنطن بحذر مع المبادرة، إذ أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه يراجعها مع إبداء شكوك حول قابليتها للتطبيق، ما أبقى احتمالات التصعيد قائمة.
التهدئة والتصعيد بين الشروط ومشروع الحرية
تُظهر مواقف الحرس الثوري الإيراني توجّهًا متشددًا في التعاطي مع شروط واشنطن، إذ تدعو الخطة الإيرانية إلى إنهاء دائم للأعمال العدائية، وانسحاب كامل للقوات الأمريكية من المنطقة ضمن جدول زمني محدد، إلى جانب مطالب اقتصادية تشمل رفع الحصار، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة. كما توسّع طهران نطاق مطالبها ليشمل ملفات إقليمية متعددة، من بينها لبنان، إضافة إلى مقترحات تتعلق بإدارة مضيق هرمز، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد التفاوضي.
في خضم هذا التوتر، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن إطلاق عملية تحمل اسم "مشروع الحرية"، والمقرر أن تبدأ في 4 مايو/أيار 2026، بهدف تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز، وضمان عبور السفن الدولية المحصورة في الخليج بأمان.
وتسعى هذه العملية، وفق الطرح الأمريكي، إلى طمأنة الدول غير المنخرطة في النزاع، والتي تضررت مصالحها نتيجة التوترات، عبر تسهيل خروج سفنها وطواقمها من المضيق. في المقابل، حذّرت إيران من أي تحرك عسكري داخل المضيق دون تنسيق معها، مؤكدة أن أمن الخليج يقع ضمن سيادتها، ما يعكس احتمالية احتكاك مباشر بين الطرفين. ومن الأهمية أن هذه العملية "مشروع الحرية" تعتبر عسكرية وأمنية بامتياز.
سيناريوهات التصعيد
قد يشكّل تعامل الحرس الثوري مع هذه العملية نقطة تحوّل في مسار الأزمة، إذ إن أي تصعيد ميداني قد يدفع واشنطن إلى ردود عسكرية أوسع، قد تتجاوز الضربات المحدودة إلى حرب تتسع فيها المواجهة، والتي بدورها قد تنعكس تداعياتها على الداخل الإيراني، سواء من حيث زيادة الضغوط على النظام، أو تصاعد التوترات الداخلية وحدوث صدامات بين الشعب وأجهزة النظام.
ومع ذلك، تبقى هذه السيناريوهات مرهونة بتفاعلات معقدة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية، ما يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، بين الاحتواء والتصعيد.
ومن الأهمية بمكان أن هناك رأيًا يبدو واقعيًا، بأن الحرس الثوري والقيادة المتشددة ترى الحرب مع واشنطن أفضل من قبول شروطها في الاتفاق، حيث إن استمرار النظام أهم من الدولة الإيرانية، لذا ففي حال انهارت الدولة قد تتحول أجهزة وأفراد الحرس الثوري إلى مليشيات.
لماذا "مشروع الحرية"؟
لا يبدو اختيار اسم العملية "مشروع الحرية" عشوائيًا، بل يحمل أبعادًا سياسية وقانونية وإعلامية. فمصطلح "الحرية" يحمل أثراً قويًا في العالم والأمم المتحدة حيث يشير هنا، في ظاهره، إلى حرية الملاحة وضمان انسياب التجارة الدولية عبر مضيق هرمز، لكنه في الوقت ذاته يحمل رسالة أوسع، مفادها أن التحرك الأمريكي يأتي في إطار حماية مبدأ دولي في التجارة والمرور الآمن، وليس مجرد تدخل عسكري مباشر.
كما يُستخدم هذا المصطلح لتقديم العملية في سياق دفاعي، يهدف إلى حماية المصالح العالمية، بما يساهم في كسب تأييد دولي أوسع. وفي بُعدٍ آخر، قد يمتد الخطاب المرتبط بـ"الحرية" ليحمل دلالات موجهة إلى الداخل الإيراني، في أطر متعددة من حلقات الصراع السياسي والأمني والحراك الاجتماعي والإعلامي بين الشعب والنظام الفاقد للشرعية.
ختامًا، بين مسار التفاوض المتعثر، وتصاعد الخطاب العسكري، يبرز "مشروع الحرية" كخطوة تتجاوز بعدها الأمني إلى أبعاد سياسية ورمزية أوسع. وبينما يُقدَّم كحماية لحرية الملاحة والتجارة والمرور الآمن، يبقى السؤال الأهم: هل يقتصر هذا المشروع على السفن في مضيق هرمز، أم أنه يحمل في طياته رسائل تتجاوز إلى الداخل الإيراني وإلى الشعوب المتضررة من النظام الثيوقراطي؟.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة