القوة العسكرية الألمانية.. ضرورات المستقبل تصارع هواجس الماضي
رغم المخاوف من عودة القوة العسكرية الألمانية فإنها ضرورية لأمن أوروبا.
وأثار إعلان المستشار الألماني فردريش ميرتس العام الماضي حول ضرورة امتلاك بلاده أقوى جيش نظامي في أوروبا ردود فعل قلقة في أوروبا حيث عاد شبح القوة العسكرية الألمانية ليخيم على القارة من جديد.
وفي جلسات مغلقة، يتساءل مسؤولون فرنسيون وبولنديون عما إذا كانت ألمانيا بعد تسليحها ستنهي تبعية أوروبا للولايات المتحدة، أم أنها ستكون قوة مهيمنة أخرى، ويتساءل آخرون عما إذا كانت الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) تتجه نحو دفاع متكامل حقيقي عن القارة، أم أنها تعود إلى جيوش وطنية متنافسة بعدما تخلت الولايات المتحدة عن قيادتها.
ومع ذلك، فإن رد الفعل تجاه إعادة تسليح ألمانيا ذات طابع صناعي واستراتيجي على حد سواء، وذلك وفقا لما ذكره تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية، وأشار إلى انسحاب برلين في يونيو/حزيران الماضي من برنامج فرنسي-ألماني-إسباني لبناء طائرة مقاتلة جديدة بسبب رفضها السماح لشركة فرنسية بالاستحواذ على الحصة الأكبر من العمل.
كما ألغت برلين عقداً رئيسياً مع تحالف تقوده هولندا لتصنيع فرقاطات بحرية، وطلبت بدلاً من ذلك فرقاطات جديدة من شركة دفاع ألمانية.
إن القلق من استقلال ألمانيا يعود إلى تاريخ الجيش الألماني، وفي الوقت نفسه هناك حقيقة مزعجة وهي احتياج الناتو إلى جيش ألماني قوي مدعوم بأكبر اقتصاد في القارة وأغنى مواردها المالية، أي أن برلين وحدها القادرة على أن تحل محل واشنطن كعمود فقري عسكري للحلف.
لكن اليوم، لا يزال الجيش الألماني بعيدًا كل البعد عن القوة الكافية للقيام بهذا الدور. وتكمن المفارقة في أن تعزيز الدفاع الجماعي لأوروبا يحتاج الجيش الألماني أولاً إلى أن يكون قادراً على الاعتماد على نفسه، وأن يكون أقل اندماجاً في الحلف مما هو عليه الآن.
والسبب هو أن هياكل القوات متعددة الجنسيات الحالية للناتو هي إرث من حقبة السلام الأوروبية التي أعقبت الحرب الباردة وصممت لكي تلائم فقط عمليات حفظ السلام أو التدخلات المحدودة مثل أفغانستان والبوسنة وليبيا لكنها غيرر ملائمة لحرب واسعة عالية الكثافة محتملة مع روسيا خاصة مع انسحاب الولايات المتحدة.
وتعاني هذه القوات من تعدد سلاسل القيادة، واختلاف القواعد الوطنية، وكثرة القيود السياسية التي تفرضها كل دولة على قواتها، مما يبطئ اتخاذ القرار ويضعف الكفاءة القتالية.
لكن أي مواجهة مستقبلية مع روسيا ستكون سريعة وعنيفة، ولن تسمح بانتظار موافقة العواصم المختلفة على كل قرار عسكري، لذا فإن استمرار الاعتماد على الهياكل الحالية سيجعل الناتو أقل قدرة على الاستجابة الفورية، خاصة إذا تراجع الدعم الأمريكي الذي كان ينسق بين مختلف الجيوش ويوفر كثيرًا من القدرات التقنية والاستخباراتية.
ويركز التحليل على مستوى "الفيلق العسكري" داخل الناتو، وهو تشكيل يمكن نظريًا أن يقود نحو ستين ألف جندي ويوجد في أوروبا حوالي تسعة فيالق متعددة الجنسيات، لكنها "نمور من ورق"، لأنها تمتلك مقرات قيادة لكنها تفتقر إلى الأسلحة والقدرات الأساسية اللازمة لخوض الحرب، مثل المدفعية بعيدة المدى، وأنظمة الدفاع الجوي، والاستخبارات، والاستطلاع، والدعم اللوجستي.
وفي حالة الحرب، يتعين جمع هذه الإمكانات من عدة دول بصورة عاجلة، وهو أمر غير عملي في ظروف القتال لذا يحتاج الحلف إلى 3 تغييرات رئيسية.
فأولًا، يجب أن يمتلك كل فيلق المعدات والقدرات القتالية الأساسية بصورة دائمة، على أن توفرها الدولة القائدة للفيلق، وهذا يعني أن تكون المدفعية، والدفاع الجوي، والاستخبارات، والقدرات اللوجستية جزءًا ثابتًا من تشكيل الفيلق، بدلًا من الاعتماد على مساهمات متفرقة من دول مختلفة عند اندلاع الحرب.
فعلى سبيل المثال يمتلك الفيلق الألماني-الهولندي الأول، مقر قيادة، لكنه يفتقر إلى الكثير من القدرات، في حين أن الفيلق متعدد الجنسيات في شمال شرق أوروبا، الذي تقوده بولندا إلى جانب ألمانيا والدنمارك، يستفيد من التوسع السريع للجيش البولندي في مجال المدفعية والأسلحة بعيدة المدى ومروحيات الأباتشي، مما يمنحه قاعدة وطنية أقوى.
وثانيًا، يجب منح الدولة القائدة للفيلق سلطة قيادة فعلية على جميع القدرات العسكرية التابعة له، بحيث لا تبقى كل دولة محتفظة بحق الاعتراض أو سحب قواتها أثناء العمليات.
ثالثًا، يجب أن يكون هناك انسجام عسكري في زمن السلم، وليس بعد اندلاع الحرب فالوحدات التابعة لدول مختلفة يجب أن تتدرب معًا باستمرار، وتستخدم المصطلحات والإجراءات نفسها، وتخضع لسلسلة قيادة موحدة، حتى تصبح قادرة على القتال كوحدة واحدة.
وقد تكون المناورات الميدانية واسعة النطاق على مستوى الفيالق، والتي تراجعت بعد الحرب الباردة، أكثر أهمية من التدريبات النظرية أو محاكاة غرف العمليات.
أخيرا فإنه إذا أرادت ألمانيا أن تصبح القائد العسكري الرئيسي لأوروبا، فعليها أولًا أن تبني جيشًا وطنيًا قويًا وقادرًا على قيادة فيلق متكامل يمتلك جميع قدراته القتالية بصورة مستقلة.
كما أن ألمانيا الأكثر قوة على المستوى الوطني لن تؤدي إلى ضعف الناتو، بل ستجعله أكثر قدرة على ردع روسيا، لأن الدول الأوروبية الأخرى ستتمكن من الاندماج في هيكل عسكري ألماني جاهز وفعال.