شروخ في جدران الاقتصاد العالمي.. حرب أوكرانيا تترك بصمات عميقة
تظهر الحرب الروسية الأوكرانية أن صراعات القوى الكبرى في القرن الحادي والعشرين باتت أكثر تعقيدا وأقل قابلية للتنبؤ مما كان يعتقد.
فالحرب، التي اندلعت قبل 4 أعوام، توقع كثيرون أن تحسم سريعا لصالح موسكو، لكنها تحولت إلى صراع طويل ومكلف، لم يقتصر أثره على طرفيه، بل امتد بصورة أو بأخرى إلى جميع أنحاء العالم.
وإلى جانب تداعياتها السياسية، التي شكلت اختبارا لمتانة العلاقات الدولية وأعادت، في بعض الأحيان، تشكيل تحالفات سياسية وعسكرية مهمة، وسرّعت الجهود الرامية إلى التحول نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب، ألقت الحرب بظلال ثقيلة على الاقتصاد العالمي.
وكان من أبرز محاور هذا التأثير البعدُ المرتبط بالتضخم، الذي طال اقتصادات العالم وانعكس على أسعار الفائدة، ومعدلات النمو، ومستويات الدين، إلى جانب مؤشرات اقتصادية أخرى.
التضخم
يُعرَّف التضخم عمومًا بأنه الزيادة المستمرة في متوسط أسعار السلع والخدمات داخل منطقة معينة. وبعد موجات التضخم المرتفعة للغاية خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، ظل التضخم العالمي مستقرًا نسبيًا منذ مطلع الألفية، متراوحًا عادة بين 3% و5% سنويًا.
وشهد عام 2008 ارتفاعًا حادًا بسبب الأزمة المالية العالمية، المعروفة بـ«الركود الكبير»، إلا أن معدلات التضخم بقيت مستقرة نسبيًا خلال عقد 2010، قبل أن تبدأ موجة التضخم الحالية في عام 2021.
ووفقًا لتقرير نشره موقع «ذا نيشن»، قال مارك زاندي، كبير الاقتصاديين في «موديز أناليتيكس»، إن الحرب أسهمت بشكل كبير في التسارع المؤلم للتضخم العالمي خلال عام 2022. كما ارتفعت توقعات التضخم مع تداخل الصدمة الناجمة عن الحرب الروسية مع تداعيات الجائحة العالمية المستمرة.
وبعد أربعة أشهر من اندلاع الحرب، بلغ معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة ذروته عند 9.1% في يونيو/حزيران 2022.
وارتفعت أسعار البنزين بنسبة 42% لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 5.02 دولار في ذلك الشهر، ما أدى إلى إنفاق الأسر الأمريكية نحو 900 دولار إضافية في المتوسط على الوقود خلال ذلك العام مقارنة بعام 2021، وهو ما أحدث تأثيرات ارتدادية على أسعار معظم السلع.
كما قفزت أسعار الأسمدة بين 27% و53% خلال الأشهر الخمسة الأولى من النزاع، ما فرض ضغوطًا كبيرة على المزارعين الأمريكيين. وخلال العام المنتهي في ديسمبر/كانون الأول 2022، ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 10.4%.
وقال مدير معهد أبحاث سياسات الغذاء والزراعة في جامعة ميسوري باتريك ويستهوف: «اجتمعت عوامل عدة لدفع الأسعار إلى الارتفاع بالنسبة لكل من المستهلكين والمنتجين».
وفي مارس/آذار 2022، أقرّ مجلس الاحتياطي الفيدرالي أول زيادة من أصل 11 زيادة في أسعار الفائدة نفذها على مدى العامين التاليين، مشيرًا صراحة إلى حالة عدم اليقين والتداعيات الناجمة عن الحرب. وامتدت الموجة إلى بقية دول العالم، التي لجأت في معظمها إلى رفع أسعار الفائدة، قبل أن يبدأ الوضع في التحسن تدريجيًا خلال السنوات اللاحقة.
غير أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عقب عودته إلى السلطة أعادت الضغوط التضخمية إلى الواجهة.
وفي العام الماضي، توقع صندوق النقد الدولي آفاقًا قصيرة الأجل تتسم بمسارات متباينة بين الاقتصادات، مع ميل المخاطر متوسطة الأجل على النمو نحو الجانب السلبي، محذرًا من أن الضغوط التضخمية المتجددة قد تؤثر في الاستدامة المالية والاستقرار المالي.
النمو
توقع تقرير صادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية أن ينمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.6% فقط خلال عامي 2025 و2026، انخفاضًا من 2.9% في عام 2024.
وتضع هذه التقديرات النمو دون متوسط ما قبل الجائحة والحرب البالغ 3%، وبفارق كبير عن متوسط 4.4% المسجل قبل الأزمة المالية العالمية في 2008–2009.
كما تفقد الاقتصادات الكبرى زخمها تدريجيًا؛ إذ يُتوقع أن يتباطأ النمو في الولايات المتحدة إلى 1.8% في عام 2025 و1.5% في عام 2026. وفي الصين، يُنتظر أن يتراجع النمو من 5% في عام 2025 إلى 4.6% في عام 2026، مقارنة بمتوسط 6.7% المسجل قبل الجائحة والحرب.
وأوضح تقرير لصندوق النقد الدولي أن الاقتصاد العالمي يتكيف مع مشهد جديد أعادت تشكيله سياسات حديثة. ورغم تخفيف بعض مستويات الرسوم الجمركية القصوى عبر اتفاقيات وتسويات لاحقة، فإن البيئة العامة لا تزال متقلبة، كما أن العوامل المؤقتة التي دعمت النشاط في النصف الأول من عام 2025 — مثل تسريع الطلب المسبق — بدأت في التلاشي.
وبناءً على ذلك، جرى تعديل توقعات النمو العالمي في أحدث إصدار من تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» بالرفع مقارنة بتقرير أبريل/نيسان 2025، لكنها لا تزال دون التوقعات التي سبقت تغير السياسات. ومن المرجح أن يتباطأ النمو العالمي من 3.3% في 2024 إلى 3.2% في 2025 و3.1% في 2026، مع تسجيل الاقتصادات المتقدمة نموًا يقارب 1.5%، مقابل نمو يزيد قليلًا على 4% في اقتصادات الأسواق الناشئة والنامية.
ومن المتوقع أن يواصل التضخم تراجعه عالميًا، مع تباين بين الدول؛ إذ يظل مرتفعًا فوق المستهدف في الولايات المتحدة مع ميل المخاطر نحو الصعود، بينما يبدو أكثر اعتدالًا في مناطق أخرى.
وأشار التقرير إلى أن المخاطر لا تزال تميل نحو الجانب السلبي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين، وتصاعد الحماية التجارية، واحتمال حدوث صدمات في عرض العمل، فضلًا عن هشاشة الأوضاع المالية، وإمكانية تصحيحات في الأسواق، وتآكل بعض المؤسسات الاقتصادية.
الديون
تُعرَّف الديون العالمية بأنها إجمالي الالتزامات المالية المستحقة على الحكومات والشركات والأسر حول العالم، أي الأموال المقترضة من مصادر داخلية وخارجية والتي يتعين سدادها مع الفوائد في المستقبل.
وأظهر تقرير لمعهد التمويل الدولي، في يونيو/حزيران الماضي، أن الديون العالمية ارتفعت بنحو 7.5 تريليون دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، لتتجاوز 324 تريليون دولار، مسجلة مستوى قياسيًا جديدًا. وكانت الصين وفرنسا وألمانيا من أبرز المساهمين في هذه الزيادة، في حين تراجعت مستويات الدين في كندا والإمارات وتركيا.
ورأى المعهد أن الانخفاض الحاد في قيمة الدولار أسهم في زيادة القيمة الاسمية للدين المقوّم بالدولار، إلا أن الارتفاع المسجل في الربع الأول فاق بأكثر من أربعة أضعاف متوسط الزيادة الفصلية البالغ 1.7 تريليون دولار منذ نهاية عام 2022.
واستحوذت الصين وحدها على أكثر من تريليوني دولار من هذه الزيادة، فيما بلغت نسبة الدين الحكومي الصيني إلى الناتج المحلي الإجمالي 93% حتى تاريخ صدور التقرير.