لندن في مواجهة ثورة الذكاء الاصطناعي.. نصف الشركات تفتقد مهارات المستقبل
تواجه قطاعات الأعمال في العاصمة البريطانية لندن تحدياً متزايداً في مواكبة التطور التكنولوجي السريع.
ووفقا لتقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، فقد أظهر استطلاع حديث أن نصف الشركات في لندن تعاني من فجوة مهارات واضحة داخل قواها العاملة، مما يهدد قدرتها على تلبية متطلبات عصر الذكاء الاصطناعي.
ووفقا للمسح السنوي الذي أجرته مؤسسة "Survation" لصالح منظمة "BusinessLDN"، وشمل أكثر من 2000 من قادة الأعمال، فإن 50% فقط من الشركات ترى أن موظفيها الحاليين يمتلكون المهارات والقدرات اللازمة لتسيير أعمالها.
ويمثل هذا التراجع هبوطا ملحوظا مقارنة بالعام الماضي، حيث كانت نسبة الشركات الواثقة في مهارات موظفيها تقف عند 63%.
اتساع الفجوة
وتعد هذه النسبة هي الأعلى على الإطلاق منذ إطلاق هذا الاستطلاع السنوي، مما يدق ناقوس الخطر بشأن سرعة الفجوة المتنامية بين متطلبات الوظائف الحديثة والقدرات المتاحة في سوق العمل.
فلم يعد التركيز ينصب فقط على المعرفة التقنية البحتة، بل بات هناك "طلب متزايد على مهارات التفكير النقدي، والتحليل الأخلاقي، والقدرة على اتخاذ القرارات المعقدة.
ويأتي هذا النقص الحاد بالتزامن مع التبني الواسع النطاق لتقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات؛ إذ أفاد ثلاثة أرباع قادة الأعمال المستطلعة آراؤهم (75%) بأن مؤسساتهم تستخدم الذكاء الاصطناعي بشكل أو بآخر في عملياتها اليومية، في حين أكدت نسبة ضئيلة لا تتجاوز 5% فقط عدم امتلاكها أي خطط لتبني هذه التكنولوجيا في المستقبل.
ولم يعد الأمر يقتصر على مجرد إدخال أدوات تكنولوجية جديدة، بل أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة في نوعية المهارات المطلوبة. فمن بين الشركات التي تدمج هذه التقنيات، أكدت 85% منها أن الذكاء الاصطناعي قد غيّر بالفعل من طبيعة المهارات التي تبحث عنها في موظفيها.
وكشف المسح عن اتساع فجوة المهارات الرقمية داخل الشركات، إذ أفادت 60% من المؤسسات التي تعاني نقصًا في الكفاءات بأنها تفتقر إلى المهارات الرقمية المتقدمة، فيما أشار 23% منها إلى وجود عجز حتى في المهارات الرقمية الأساسية.
وفي المقابل، تتزايد الحاجة المستقبلية إلى هذه الكفاءات بوتيرة متسارعة، حيث تتوقع 78% من الشركات احتياجًا ملحًا للمهارات الرقمية المتقدمة خلال السنوات الخمس المقبلة، مقارنة بـ66% في العام الماضي و56% في عام 2023، ما يعكس تنامي الاعتماد على التكنولوجيا والتحول الرقمي في مختلف القطاعات الاقتصادية.
الصورة الأكبر لسوق العمل
ورغم الطلب الكبير على المهارات الرقمية، إلا أن سوق العمل في لندن ما زال يشهد طلبًا مرتفعًا على العمالة عموما، وقد انخفضت نسبة الشركات التي تواجه صعوبة في التوظيف إلى 32% فقط، مقابل 46% في العام الماضي، وهي أدنى نسبة منذ بدء إجراء هذا الاستطلاع.
ويشير ذلك إلى تحسن التوافق بين مهارات الباحثين عن عمل واحتياجات الشركات، أو إلى زيادة عدد المتقدمين للوظائف نتيجة تباطؤ سوق العمل أو تغير الظروف الاقتصادية.
وبعبارة أخرى، ورغم استمرار وجود عدد كبير من الوظائف الشاغرة، فإن أزمة نقص العمالة والمهارات التي كانت تؤرق الشركات بدأت تتراجع، ما جعل عملية التوظيف أقل صعوبة من السابق.
أما فيما يتعلق بمستقبل الوظائف وحجم العمالة، فإن التخوف من تسريح الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي لا يزال محدوداً نسيباً؛ حيث أكدت 76% من الشركات أنها لا تتوقع تقليص حجم عمالتها.
وتعليقاً على هذه النتائج، قال مدير توجيه السياسات والشؤون الخاصة بالناس والمهارات في منظمة "BusinessLDN"، مارك هيلتون: "في الوقت الذي تتبنى فيه الشركات في لندن الذكاء الاصطناعي بحماس، يجد الكثير منها صعوبة بالغة في مواكبة احتياجات مهارات القوى العاملة لديهم نظراً لسرعة وتيرة التغيير".
وكان هذا الاستطلاع قد أُجري في الفترة ما بين 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025 و15 يناير/كانون الثاني 2026، وتأتي نتائجه بالتزامن مع البيانات الأخيرة الصادرة عن مكتب الإحصاء الوطني البريطاني (ONS)، والتي تشير إلى أن لندن تسجل حاليا أعلى معدل بطالة إقليمي في المملكة المتحدة، مما يضع المزيد من الضغوط على صناع القرار لربط ملف البطالة بإعادة تأهيل العمالة رقمياً.