كواليس ساعات هاني شاكر الأخيرة في فرنسا
في غرف المستشفيات الباردة في باريس، وبعيداً عن أضواء الشهرة وصخب النقابة، لم يكن الفنان هاني شاكر وحيداً في معركته الأخيرة.
لم يرافقه حرس أو وفود رسمية، بل رافقته "دولة الحب" الصغيرة التي بناها طوال عمره. زوجته السيدة نهلة، وابنه شريف، وخالد زوج ابنته الراحلة دينا؛ هؤلاء الثلاثة كانوا هم "الحرس الجمهوري" لقلب الأمير في غربته.
السيدة نهلة.. "رفيقة الدرب"
لم تكن السيدة نهلة توفيق مجرد زوجة في تلك الغرفة، بل كانت "عمود البيت" الذي يرفض الانحناء. يروي المقربون أنها لم تترك يد هاني لثانية واحدة؛ كانت هي من تهمس في أذنه بآيات القرآن، وهي من تذكره بذكرياتهما الجميلة لتخفف عنه وطأة المرض في الغربة.
كان هاني ينظر إليها فيجد فيها "مصر" بكل حنينها، ويجد فيها الأمان الذي افتقده وسط الأجهزة الطبية. صمود نهلة في مستشفى باريس كان هو "الوقود" الذي جعل هاني يرحل في هدوء ووقار، مطمئناً أن "الرفيقة" ستظل وفية للعهد كما كانت طوال 40 عاماً.
شريف هاني شاكر.. "الابن السند"
كان شريف هو "العين" التي تراقب كل تفاصيل العلاج، واليد التي تحمل مسؤولية القرارات الصعبة في بلد غريب. في تلك الساعات، لم يكن شريف "ابن النجم"، بل كان "الرجل" الذي يحمل ثقل الحزن ويخفيه عن والده ليمنحه القوة.
مشهد شريف وهو يداعب والده في لحظات إفاقته، ويطمئنه على أحفاده، كان من أكثر المشاهد التي أبكت طاقم التمريض الفرنسي. لقد كان شريف هو "الامتداد" الذي طمأن هاني شاكر بأن اسمه وإرثه في أيدٍ أمينة، وأن "شجرة شاكر" ستظل مثمرة بفضله.

خالد "زوج دينا".. الوفاء الذي لا يقطعه الموت
المفاجأة الإنسانية الأجمل في هذا المشهد هي تواجد خالد (زوج ابنته الراحلة دينا). هذا الرجل الذي ظل وفياً لعائلة هاني شاكر حتى بعد رحيل زوجته لسنوات، أثبت في مستشفى فرنسا أن "المصاهرة" في قاموس هاني شاكر هي "تبنٍّ" أبدي.
وجود خالد بجوار هاني في لحظاته الأخيرة كان يمثل "الرابط" بين الأمير وبين ابنته الغالية. كان هاني يرى في خالد رائحة دينا، وكان خالد يرى في هاني الأب الذي عوضه عن الفقد. هذا التلاحم بين "الحمو وصهره" في لحظة الموت هو قمة الرقي الإنساني الذي ميز عائلة هاني شاكر عن غيرها.
كيف رحل الأمير بين أيدي محبيه؟
في اللحظة التي صعدت فيها الروح، لم يكن هناك غريب واحد في الغرفة. رحل هاني شاكر وهو يرى وجوه أغلى الناس عليه؛ وجوه لم تخذله يوماً، ولم تتركه في عز محنته.
هذا "الحصار العائلي" الجميل جعل من الموت في الغربة "عودة للوطن" قبل الأوان؛ فمصر كانت حاضرة في تلك الغرفة بوجود نهلة وشريف وخالد.
رحل هاني وهو يعلم أن "الأمانة" (أحفاده) في رقاب هؤلاء الرجال والنساء الذين لم يناموا ليلة واحدة وهو يتألم.
رحل وسط عائلته كما عاش لأجلهم
إن رحيل هاني شاكر في فرنسا، محاطاً بزوجته وابنه وزوج ابنته، هو الخاتمة الأجمل لحياة فنان قدس العائلة.
لقد مات "الأمير" وسط "جيشه الخاص" الذي لا يعرف الزيف، لتبقى قصتهم في مستشفى باريس درساً في كيف يكون الفن أخلاقاً، وكيف تكون العائلة هي "الحصن الأخير" الذي لا يسقط أبداً.