اقتصاديون يحذرون: تضخم قادم في أمريكا ومتجاوز لمدة الحرب
اعتبر تحليل نشرته صحيفة فايننشال تايمز البريطانية أن حرب إيران ستحدث سيلًا من التضخم في الولايات المتحدة.
وهذا التضخم، بحسب الاقتصاديين، سيستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الصراع، وهو ما يضغط على الأمريكيين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني.
وقد تردد صدى تأثير الصراع عبر أكبر اقتصاد في العالم منذ اندلاعه في أواخر فبراير/شباط، ويقول الخبراء إن صدمة التضخم ستستغرق وقتًا لتتلاشى.
وكانت مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا قد صرحت لصحيفة فايننشال تايمز بأن العالم "كان على مسار جيد جدًا لانخفاض التضخم.. والآن هناك نوع من الارتداد.. فما نراه هو أن توقعات التضخم على المدى القصير ارتفعت هنا في الولايات المتحدة".
وأضافت أنه على مستوى العالم، فإن تداعيات الصراع "لن تتبخر بين عشية وضحاها حتى لو انتهت الحرب غدًا".
وكانت الحرب وما تبعها من إغلاق مضيق هرمز الاستراتيجي لتدفق الطاقة قد أدت إلى نقص عالمي في الوقود ودفعت الأسعار إلى الارتفاع. وقفز خام برنت، وهو المعيار العالمي، من نحو 70 دولارًا للبرميل عند بداية الصراع إلى أكثر من 110 دولارات للبرميل في ذروته.
وأدى إعلان طهران يوم الجمعة أن المضيق، الذي يمر عبره عادة خُمس إمدادات النفط العالمية، سيُفتح خلال فترة هدنة هشة، إلى انخفاض أسعار النفط بأكثر من 10% إلى أقل من 90 دولارًا للبرميل. لكن يوم السبت قالت إنه لن يُعاد فتح المضيق بالكامل وأنه لا يزال تحت «سيطرة صارمة» من طهران.
تأثير مستدام
ويحذر الاقتصاديون من أنه حتى لو استمرت الهدنة، فإن الحرب ستترك تأثيرًا دائمًا على الاقتصادات حول العالم.
فقد قفز التضخم في الولايات المتحدة إلى 3.3% في مارس/آذار، وهو أعلى مستوى له في عامين وفقًا لمؤشر أسعار المستهلك الصادر عن مكتب إحصاءات العمل، مدفوعًا إلى حد كبير بارتفاع أسعار البنزين.
ويقدّر صندوق النقد الدولي التضخم في الولايات المتحدة عند 3.2% لعام 2026، ارتفاعًا من توقع سابق بلغ 2.5% قبل اندلاع الحرب. كما رفعت منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي توقعاتها من 2.8% إلى 4.2%.
وقال جوزيف غاغنون، الزميل البارز في معهد بيترسون للاقتصاد الدولي إنه "بحلول نهاية العام، ستكون الأسعار أعلى بشكل ملحوظ مما كانت ستكون عليه لولا ذلك". وأضاف: "التضخم سيتراجع تدريجيًا، لكنه لن يتراجع بالكامل حتى بحلول ديسمبر/كانون الأول — سيظل عند مستوى أعلى ملحوظ مما كان عليه في يناير/كانون الثاني".
وكان الارتفاع الأولي في تضخم المستهلك مدفوعًا بأسعار الوقود. فقد قفزت أسعار البنزين من 2.98 دولار للجالون عند بداية الصراع إلى 4.08 دولار يوم الجمعة، وفقًا لجمعية السيارات الأمريكية.
لكن التأثيرات من الدرجة الثانية، مع انتقال ارتفاع أسعار الوقود إلى بقية أجزاء الاقتصاد، لم تظهر بالكامل بعد.
تأثير إطالة أمد الصراع
وقال كريستوفر والير: "الخطر هو أنه كلما طال أمد الصراع وبقيت أسعار الطاقة مرتفعة، زادت احتمالية تسرب هذه الأسعار المرتفعة إلى أسعار أخرى، حيث تدمج الشركات تكاليف الطاقة المرتفعة في تحديد أسعارها". وارتفع سعر الديزل — وهو عنصر أساسي في كل شيء من الزراعة إلى النقل بالشاحنات — من 3.76 دولار إلى 5.59 دولار للغالون منذ اندلاع الصراع. وهذا يضعه قريبًا من المستوى القياسي البالغ 5.82 دولار الذي سجله في عام 2022 عقب الحرب في أوكرانيا.
علاوة على ذلك، انخفض مؤشر ثقة المستهلك لجامعة ميشيغان إلى مستوى قياسي منخفض في أبريل/نيسان وسط تشاؤم بشأن ارتفاع الأسعار. وأظهر مؤشر توقعات التضخم أن الأمريكيين يتوقعون ارتفاع الأسعار بنسبة 4.8% خلال العام المقبل، مقارنة بـ 3.8% قبل شهر.
وأدى تضاعف أسعار وقود الطائرات إلى زيادة تكاليف شركات الطيران، ما دفعها إلى رفع أسعار التذاكر.
كما ارتفعت تكاليف الأسمدة النيتروجينية بأكثر من 30% منذ اندلاع الصراع، وفقًا للاتحاد الأمريكي للمزارع، ومن المتوقع أن تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المواد الغذائية لاحقًا هذا العام.
ومع ارتفاع تكاليف النقل بالشاحنات، حذر مسؤولون تنفيذيون في قطاع السلع الاستهلاكية من زيادات محتملة في الأسعار خلال الأشهر المقبلة. وقال المدير المالي لشركة "بيبسي"، ستيف شميت: "افتراضنا هو أن التضخم قادم".
وقال ستيو ليونارد الابن، الرئيس التنفيذي لسلسلة متاجر البقالة Stew Leonard’s، إن الارتفاع السريع في أسعار الديزل منذ بدء الحرب جعل توريد متاجره الثمانية في منطقة نيويورك أكثر تكلفة.
وقال لصحيفة فايننشال تايمز: "الوقود يؤثر في كل جزء من أعمال الغذاء. كنا ندفع 5,000 دولار لنقل شاحنة محملة بالفواكه والخضروات من فلوريدا إلى هنا، والآن أصبحت 7,000 دولار."
وأضاف أنه بعد سنوات من التضخم المستمر، قررت الشركة «تحمل» التكاليف في الوقت الحالي، رغم أن ذلك يضغط على هوامش الربح المحدودة بالفعل.
وارتفع التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، إلى 2.6% في مارس/آذار مقارنة بالعام السابق، لكن الاقتصاديين يتوقعون أن يرتفع تدريجيًا في الأشهر المقبلة مع انتقال تأثير ارتفاع الوقود إلى بقية الاقتصاد.
ورغم أن الزيادة ستكون أبطأ وأقل حدة من التضخم العام، حذر الاقتصاديون من أنها ستكون "أكثر ثباتًا" وتستغرق وقتًا أطول بكثير للتراجع.
وقال المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي: "بينما كان الرئيس ترامب واضحًا بشأن الاضطرابات المؤقتة نتيجة الحرب فإن الإدارة لم تفقد تركيزها على تنفيذ أجندة القدرة على تحمل التكاليف داخليًا". وقد أرسل الرئيس هذا الأسبوع بعض كبار مساعديه لاتخاذ خطوات لمعالجة تكاليف الوقود.
وأجرى وزيرا الداخلية والطاقة، دوغ بورغوم وكريس رايت، اتصالًا مع مسؤولي شركات النفط لحثهم على زيادة الإنتاج. كما حذر وزير الخزانة، سكوت بيسنت تجار الوقود من أن الإدارة تتوقع منهم خفض الأسعار بسرعة مع تراجع أسعار النفط الخام.