«الدفاع الموزاييكي».. مقامرة إيران الكبرى
بتبنيها استراتيجية «أكثر عدوانية» ترتكز على توسيع نطاق الصراع الإقليمي واستهداف مراكز الثقل الاقتصادي في المنطقة، تحاول إيران نقل المعركة إلى ساحات أوسع، للهروب من الهزيمة، ورفع تكلفة الحرب على خصومها.
هذه الاستراتيجية الجديدة، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال، جاءت بعد الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً مع إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي، وخرجت منها إيران بخسائر فادحة، ومقتل عدد من كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين، وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية للبرنامج النووي، إضافة إلى إضعاف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية.
سياسة الردود المحدودة
وفي ضوء تلك الخسائر، خلص المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي وقادة الحرس الثوري إلى أن سياسة الردود المحدودة التي اتبعتها طهران خلال العامين الماضيين لم تعد قادرة على ردع خصومها، وأن استمرارها سيجعل طهران أكثر عرضة للهجمات.
ملامح الاستراتيجية الجديدة بدأت تتبلور تدريجياً منذ أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما حذر مسؤولون إيرانيون من أن أي هجوم جديد سيقابل برد مختلف تماماً.
ووفقاً لمسؤولين عرب، أبلغت طهران عدداً من دول المنطقة عبر قنوات دبلوماسية غير رسمية أن أي مواجهة مقبلة لن تبقى محصورة بين إيران وخصومها المباشرين، بل ستتوسع لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى.
ونقل رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني رسالة إلى الولايات المتحدة عبر سلطنة عُمان خلال جولة المحادثات النووية في فبراير/شباط، أكد فيها أن إيران لن تلتزم بعد الآن بسياسة الرد المتناسب، بل سترد بقوة غير مسبوقة على أي هجوم يستهدفها.
وقبل أسابيع من مقتله في أولى ضربات الحرب الأخيرة، حذر خامنئي صراحة من أن المواجهة المقبلة «ستكون حرباً إقليمية». وبالفعل، سرعان ما بدأت هذه الرؤية تتجسد على الأرض.
الدفاع الموزاييكي
تعتمد هذه الاستراتيجية إلى حد كبير على عقيدة عسكرية تعرف باسم «الدفاع الموزاييكي اللامركزي»، وهي مقاربة أعلنها الحرس الثوري لأول مرة عام 2005. تقوم هذه العقيدة على توزيع القيادة العسكرية على شبكة واسعة من المراكز المستقلة، بحيث يمكن لكل وحدة مواصلة القتال حتى في حال انقطاع الاتصال مع القيادة المركزية أو مقتل كبار القادة.
وفي هذا الإطار، ينظم الحرس الثوري الإيراني هيكله القيادي عبر 31 مركز قيادة موزعة بين العاصمة والمحافظات الثلاثين، يتمتع كل منها بصلاحية تولي القيادة في حال تعرض المركز الرئيسي للشلل.

كما تعتمد هذه الوحدات على تكتيكات حرب العصابات التي تستفيد من التضاريس الجبلية الوعرة في إيران، حيث تقع المراكز السكانية الرئيسية وخطوط الإمداد في عمق البلاد، خلف سلاسل جبلية تشكل تحدياً كبيراً لأي قوة غازية.
وتعزز هذه الاستراتيجية أيضاً انتشار قوات «الباسيج»، وهي قوة شبه عسكرية تضم مئات الآلاف من المتطوعين المنتشرين في أحياء المدن والبلدات والمساجد، ما يوفر شبكة أمن داخلي تهدف إلى منع الاضطرابات والحفاظ على استقرار النظام في حال تعرض البلاد لهجمات خارجية واسعة.
وحذر أندرياس كريغ، الأستاذ المشارك في كلية الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن، من الاعتداءات الإيرانية على الخليج، قائلا إن هذه الدول «تمثل عقداً رئيسية في سلاسل التوريد العالمية، وأي تعطيل لاقتصاداتها ستكون له انعكاسات فورية على الاقتصاد الدولي».
استنزاف الموارد
وتعتمد طهران في جزء كبير من عملياتها على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة من طراز «شاهد»، التي لا تتجاوز تكلفة إنتاج الواحدة منها نحو 35 ألف دولار، في حين تتطلب عملية اعتراضها صواريخ دفاع جوي تبلغ تكلفتها أضعاف ذلك بكثير. وتهدف هذه المقاربة إلى استنزاف منظومات الدفاع الجوي لدى خصومها وإرباكها عبر إطلاق أعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى.

ويحذر مسؤولون في دول الخليج من أن استمرار تعطيل إنتاج النفط والغاز قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قد تصل إلى 150 دولاراً للبرميل، وهو ما قد يتسبب في صدمات اقتصادية عالمية، خصوصاً في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
مقامرة كبرى
رغم ذلك، تبقى هذه الاستراتيجية مقامرة كبرى بالنسبة لطهران. فتصعيد الصراع بهذا الشكل يعني مواجهة مباشرة مع اثنتين من أقوى القوات الجوية في العالم، الأمريكية والإسرائيلية، كما قد يدفع دولاً أخرى إلى الانضمام إلى الحرب ضدها أو فرض عقوبات مالية إضافية عليها.
ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الهدف الإيراني لا يقتصر على تحقيق انتصار عسكري تقليدي، بل يتمثل أساساً في تغيير حسابات خصومها.
ويقول تريتا بارسي، نائب الرئيس التنفيذي لمعهد كوينسي للأبحاث في واشنطن، إن المسؤولين الإيرانيين يعتقدون أن ردودهم السابقة كانت «محدودة ورمزية للغاية»، وأنه لا يمكن التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار «ما لم يشعر جميع الأطراف بأن تكلفة الصراع كانت باهظة».
مستقبل النظام
تزداد هذه المعادلة تعقيداً بعد مقتل المرشد الإيراني في أولى ضربات الحرب، فقد ترك رحيله فراغاً قيادياً في النظام الإيراني، في وقت لم يكن فيه خليفة واضحاً قد أُعد لتولي المنصب.
ومع ذلك، يشير خبراء إلى أن بنية النظام السياسي في إيران -حيث يجمع المرشد بين سلطات دينية وسياسية وعسكرية واسعة- تجعل عملية انتقال السلطة أكثر تعقيداً من مجرد اختيار رئيس جديد للدولة.
ورغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بقدرات إيران العسكرية والاقتصادية، لم تظهر مؤشرات واضحة على حدوث انقسامات داخل الأجهزة الأمنية. كما تفتقر المعارضة الداخلية إلى التنظيم والتسليح اللازمين لاستغلال الوضع.
ويؤكد إيال هولاتا، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق، أن النظام الإيراني «لن يرحل بسهولة»، بل سيقاتل للحفاظ على بقائه.
في المقابل، يعترف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن اتساع نطاق الهجمات الإيرانية فاجأه، لكنه تعهد بمواصلة العمليات العسكرية حتى «سحق التهديد الإيراني». وأعلن قائد القيادة المركزية الأمريكية أن وتيرة الهجمات الصاروخية الإيرانية انخفضت بنسبة كبيرة خلال الأيام الأخيرة، إما بسبب استنزاف المخزون وإما نتيجة رغبة طهران في الحفاظ على ما تبقى من ترسانتها.