لم يعد العالم كما عرفناه في العقود الماضية، ولم تعد التحالفات الدولية تُبنى على شعارات كبرى، ولا على انتماءات أيديولوجية أو دينية أو قومية، بل على معادلة أكثر صراحة وواقعية: المصلحة، الأمن، والاقتصاد.
هذا التحول لا يعكس فقط تغيراً في أدوات السياسة الدولية، بل يكشف عن إعادة تعريف عميقة لطبيعة النظام العالمي نفسه.
على امتداد القرن العشرين، كانت التحالفات تُصاغ ضمن أطر واضحة: شرق في مواجهة غرب، رأسمالية في مواجهة شيوعية، أو حتى اصطفافات قائمة على الهوية القومية والثقافية والدينية.
لكن هذه الخرائط تبخّرت تدريجياً مع نهاية الحرب الباردة، لتفسح المجال أمام عالم جديد، حيث لم تعد القيم المشتركة كافية لبناء الشراكات، ولا الاختلافات عائقاً أمام التعاون.
اليوم، تتعامل الدول مع بعضها البعض بمنطق مختلف: من يخدم مصالحنا؟ من يعزز أمننا؟ ومن يساهم في استقرار اقتصادنا؟ فالعالم دخل مرحلة «تحالفات الإنجازات» بدلاً من «تحالفات الشعارات».
غير أن هذا التحول، على أهميته، يكشف حقيقة أكثر عمقاً:
كلما أصبحت التحالفات أكثر مرونة، ازدادت الحاجة إلى دولة وطنية قوية.
ففي لحظات الاستقرار، قد تبدو التحالفات كبديل أو مكمل كافٍ. لكن عند الأزمات، يتغير المشهد بالكامل. لا تتحرك الشعارات، بل تتحرك الدولة: مؤسساتها، جيشها، اقتصادها، وقدرتها على اتخاذ القرار السيادي بسرعة وحسم. هنا تتجلى الدولة الوطنية ليس كسيناريو سياسي، بل كضرورة وجودية.
فالدول الأكثر قدرة على التحرك السريع في عالم متغير هي تلك التي تمتلك مؤسسات قوية وسيادة واضحة، لأنها تستطيع الدخول في تحالفات دون أن تفقد استقلال قرارها، وتستطيع الخروج منها إذا تعارضت مع مصالحها الحيوية.
الاقتصاد بدوره أصبح اللغة المشتركة التي تتجاوز الانقسامات. فالعالم اليوم مترابط عبر سلاسل إمداد معقدة، وأسواق طاقة حساسة، واستثمارات عابرة للحدود. هذا الترابط يفرض تعاوناً حتى بين الخصوم، لكنه لا يلغي التنافس، بل يعيد صياغته. لأن الاقتصاد بات أداة تعاون وضغط في آن واحد.
ومع ذلك، فإن هذا العالم «المرن» ليس بلا مركز. على العكس، هناك مركز واضح وصلب: الدولة الوطنية. فهي التي تحدد أولوياتها، وتبني تحالفاتها، وتعيد تموضعها وفقاً لمصالحها. وهي أيضاً التي تتحمل الكلفة عندما تتفكك التحالفات أو تتغير موازين القوى.
لقد ولّى زمن الاصطفافات التي تُبنى على الهوية فقط، وجاء زمن أكثر تعقيداً، لكنه أيضاً أكثر واقعية. عالم لا يسأل فيه الفاعلون الدوليون عن النوايا بقدر ما يسألون عن القدرات، ولا عن الشعارات بقدر ما يبحثون عن النتائج.
في هذا السياق تتجلى قوة الدولة الحديثة في قدرتها على إدارة تحالفاتها دون أن تفقد بوصلتها. ولا يقاس نجاحها بمدى انسجامها الأيديولوجي مع الآخرين، بل بمدى قدرتها على حماية مصالحها وتعزيز أمنها وضمان ازدهارها.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة