على وقع مؤشرات التصعيد، يعيش الإيرانيون حالة استعداد متباينة تمتد من تجهيز حقائب الطوارئ ووضع خطط للهروب إلى الاكتفاء بالترقب والانتظار.
فعلى الرغم من أن الحياة اليومية تبدو طبيعية في المدن الإيرانية، حيث الأسواق مكتظة بالبضائع ولا توجد مؤشرات على نقص في المواد الغذائية أو الإمدادات الأساسية، إلا أن الحقيقة تكشف عن حالة ترقب ثقيلة تسيطر على السكان الذين ينتظرون ما إذا كانت القوات الأمريكية ستشن هجوما وشيكا. بحسب ما طالعته "العين الإخبارية" في صحيفة "نيويورك تايمز".
في المقابل، استسلم آخرون للأمر الواقع، مكتفين بالمراقبة والانتظار، لاعتقادهم أنهم لا يملكون فكرة واضحة عما سيحدث، وأن لديهم القليل من الوسائل للاستعداد.
في حين دخل البعض حالة من الشلل جراء القلق الذي يمنعهم من اتخاذ أي إجراء، بحسب "نيويورك تايمز" الأمريكية التي تحدثت إلى عدد من الإيرانيين.
ومن المقرّر أن تعقد طهران وواشنطن جولة مفاوضات غير مباشرة، غدا الخميس، في جنيف، ستكون الثالثة منذ استئناف المحادثات هذا الشهر. ويُنظر إليها على أنها "الفرصة الأخيرة" للتوصل إلى اتفاق.
ونقلت الصحيفة عن بايمان، رجل أعمال يبلغ من العمر 45 عاما من طهران، قوله: "يبدو كل شيء سرياليا للغاية. كأنني تائه. لا أستعد حتى لحالات الطوارئ. كل ما أريده هو أن ينتهي هذا كله".
ويشير بايمان إلى أن الفرار نفسه قد يكون مهمة شبه مستحيلة، إذ يُتوقع أن تكتظ الطرق المؤدية خارج العاصمة كما حدث خلال حرب الأيام الـ12 مع إسرائيل في يونيو/حزيران الماضي.

ورغم الأجواء المتوترة، لم تتغير الصورة الظاهرية في طهران كثيرا. فمحال البقالة مليئة بالبضائع، ولا يوجد نقص في الغذاء أو الوقود أو المياه. كما أن المدارس والمتاجر تعمل بشكل طبيعي.
مخزون "الأيام العصيبة"
ومع ذلك، يتبادل الإيرانيون عبر الإنترنت نصائح حول كيفية الاستعداد للأسوأ، وتشجع بعض المنشورات الناس على تدوين أرقام الطوارئ لأحبائهم وتحديد أماكن التجمع، تحسبا لانقطاع الإنترنت والاتصالات، مثلما حدث خلال حرب يونيو، واحتجاجات الشهر الماضي.
الناشط الإيراني البارز المقيم في فرنسا، إيليا هاشمي، نشر قائمة انتشرت بشكل واسع تتضمن اقتراحات لتخزين مؤن تكفي لأسبوعين.
وتضمنت القائمة ثلاثة لترات من الماء، أو ما يقارب جالونا واحدا، لكل شخص يوميا، ومعلبات، ومواد غذائية جافة، وشموع ومصابيح يدوية، وإسعافات أولية، وملابس دافئة، وبطاريات شحن متنقلة.
ماذا عن الآخرين؟
لكن الكثير من الإيرانيين يقولون إنهم عاجزون ماليا عن تأمين متطلبات يوم واحد، فضلا عن أسبوعين كاملين.
وتعاني إيران من أزمة اقتصادية خانقة كانت السبب وراء المظاهرات الغاضبة التي اندلعت في ديسمبر/كانون الأول الماضي واستمرت لأسابيع مع الانخفاض الحاد في قيمة العملة (الريال) وارتفاع التضخم بنسبة 60% مقارنة بالعام الماضي.
وأصبحت المواد الأساسية كاللحوم والدواجن والبيض بعيدة المنال عن كثير من العائلات، ويقول بعض السكان إن ذويهم يضطرون للاختيار بين دفع الإيجار أو شراء الطعام.
وقال سهند، أحد سكان طهران لنيويورك تايمز "لا يمكن حتى الاستعداد والتخطيط لأي طارئ.. العائلات لا تملك المال لتخزين الطعام والدواء.. كل ما يفكرون فيه هو أين يذهبون للاختباء" وأضاف "لقد استسلم معظم الناس.. يعتقدون أنه لا حيلة لهم".
ولا يقتصر قلق الإيرانيين على الأساسيات فحسب، بل يشمل أيضا كيفية التواصل في حال قطع السلطات للإنترنت.
مريم وهي فنانة من طهران، جهزت حقيبة ظهر مخصصة للطوارئ تحتوي على الماء والدواء والفواكه المجففة، كما اشترت خدمات شبكة افتراضية خاصة متطورة، على أمل أن تتمكن من استخدامها لتجاوز انقطاع الإنترنت.
وقالت مريم "كل من تحدثت إليه هذه الأيام في حيرة شديدة" ويقول العديد من الإيرانيين إنهم لا يستطيعون فهم موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتردد بشأن نطاق الهجوم أو توقيته، أو حتى إمكانية وقوعه من الأساس.
أما سحر (38 عامًا) فأعربت عن شعورها بالرعب من فكرة أن "تتصارع قوتان على البلاد، لا تباليان بمصير المواطنين الإيرانيين العاديين"، مضيفة "الأمر أشبه برجلين يتنازعان على منزل، وفي النهاية يُحرقانه ونحن ما زلنا بداخله".
استعدادات الحكومة
في المقابل، لا يبدو أن الحكومة الإيرانية وضعت أي استعدادات لمواجهة حالة الطوارئ إذا اندلعت الحرب.
فقد صرح رئيس بلدية طهران، علي رضا زاكاني، لوسائل الإعلام المحلية الأسبوع الماضي، بأنه من الممكن تحويل محطات المترو ومواقف السيارات تحت الأرض إلى ملاجئ، مشيرا إلى أن البلدية اتخذت خطوات "محدودة" لتجهيزها.
ومع ذلك، حذر خبراء التخطيط المحليون من أن محطات المترو ومواقف السيارات بحاجة إلى التدفئة والتهوية ومرافق صحية ولا توجد معلومات متاحة للجمهور تشير إلى اتخاذ هذه الإجراءات.
ورفض زاكاني، الذي واجه انتقادات بسبب غياب التخطيط للطوارئ خلال الحرب العام الماضي، المخاوف بشأن الاستعداد، واعتبرها "سابقة لأوانها" مشيرا إلى أن السلطات لا ترغب في إثارة الذعر.
وقال "لا نعتقد أن الحرب ستندلع لدرجة تستدعي فرض حالة طوارئ على الشعب"، واتهم واشنطن بمحاولة بث الخوف في نفوس الإيرانيين، الذين يعيشون في حالة دائمة من "لا حرب ولا سلام"، متسائلا "لماذا نسمح لهم بإغلاق مدينتنا وإثارة قلقنا؟".