إيران ما بعد الحرب.. أذرع منهكة ونفوذ يتآكل
رغم أن الحرب الإيرانية لم تؤدِ إلى إسقاط النظام الإيراني، إلا أنها تركت طهران «أضعف»، وجعلت أذرعها المسلحة في حالة «انهيار شبه كامل».
هكذا قالت صحيفة «فورين أفيرز»، عن الحرب الإيرانية التي انتهت بوقف لإطلاق النار لمدة 60 يوما، مشيرة إلى أنه عند النظر إلى نتائج عملية «الغضب العارم» التي شنتها الولايات المتحدة أواخر فبراير/شباط الماضي، نجد أن الولايات المتحدة وشركاءها باتوا في موقع أقوى بكثير في الشرق الأوسط، بينما ضعفت إيران بصورة كبيرة.
وأوضحت أن شبكة الجماعات المسلحة الموالية لطهران باتت في حالة انهيار شبه كامل، كما تعرضت القوات التقليدية الإيرانية، وجزء كبير من بنيتها الدفاعية والصناعية النووية، لدمار واسع.
أما المكسب الوحيد الذي تزعم إيران أنها حققته في الجولة الأخيرة من الصراع، فتمثل في إغلاق مضيق هرمز وإلحاق أضرار اقتصادية بالعالم، غير أن إغلاق المضيق انقلب ضدها وألحق بها أضرارًا.
وأشارت إلى أن المحصلة التراكمية لثلاث سنوات من الجهود الرامية إلى تحجيم نظام إيراني يُنظر إليه على أنه خطر ومصدر تهديد، وضعت الولايات المتحدة في موقع قوي يسمح لها بتثبيت مكاسبها. كما أن مذكرة التفاهم الخاصة بإنهاء الحرب تفتح الباب أمام محادثات مباشرة بين واشنطن وطهران، وهو ما قد يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي.
ورغم أن القيود التي تفرضها المذكرة على البرنامج النووي الإيراني لا تزال غامضة حتى الآن، فإن قدرة الولايات المتحدة على استخدام العقوبات الاقتصادية، إلى جانب التهديد الموثوق بشن مزيد من الضربات العسكرية، تمنحها أوراق ضغط قد تفضي إلى فرض قيود دائمة على عمليات تخصيب اليورانيوم الإيرانية.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، فإن الحرب تمثل الحلقة الأخيرة في مسار ناجح لاحتواء التهديدات الإقليمية الإيرانية والتوصل إلى وقف طويل الأمد لإطلاق النار.
الصورة الكبرى
وتقول الصحيفة الأمريكية، إنه لا يمكن النظر إلى الحملة العسكرية التي أطلقتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط بمعزل عن سياقها الأشمل. ففي المبررات القانونية للعملية، التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية في 21 أبريل/نيسان، أوضحت أن «عملية الغضب العارم ليست سوى أحدث جولة في نزاع مسلح مستمر مع إيران».
هذا الصراع بدأ بهجوم حركة حماس على إسرائيل عام 2023، واستمر في أنحاء المنطقة خلال إدارتي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترامب. وشمل القتال البري الإسرائيلي في قطاع غزة ولبنان، والإطاحة ببشار الأسد، وخوض القوات البحرية الأمريكية والأوروبية معارك جوية وبحرية ضد الحوثيين في البحر الأحمر ومحيطه، إضافة إلى الضربات الجوية والصاروخية الإيرانية التي استهدفت إسرائيل والولايات المتحدة وشركاءها.
وبالنظر إلى الجولة الأخيرة باعتبارها جزءًا من حملة عسكرية ضمن صراع مستمر، فإن اندلاعها كان شبه حتمي. فبعد أن قصفت الولايات المتحدة وإسرائيل منشأة فوردو النووية ومواقع نووية أخرى خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا في يونيو/حزيران 2025، أوقفت إدارة ترامب تنفيذ ضربات جوية إسرائيلية إضافية، في إشارة إلى أن واشنطن كانت تسعى إلى تسوية شاملة مع طهران تنهي دوامة العنف وتحد من برنامجها النووي.
وعقب ذلك، أجرت الإدارة الأمريكية جولة جديدة من المحادثات النووية مع إيران في فبراير، بهدف دفع طهران إلى تقليص عمليات تخصيب اليورانيوم، واختبار ما إذا كانت ستتبنى أيضًا نهجًا أقل عدائية تجاه المنطقة.
ورغم أن إيران قدمت بعض التنازلات — إذ أفادت تقارير مسربة بأنها وافقت على وقف تخصيب اليورانيوم مؤقتًا — فإن المفاوضين الأمريكيين خلصوا إلى أن طهران ليست مستعدة للتخلي عن طموحاتها النووية الأوسع، وبالتالي عن سعيها إلى فرض هيمنة إقليمية.
وعززت تصرفات إيران بعد الحرب التي استمرت 12 يومًا الانطباع بأنها مصممة على الحفاظ على هيمنتها الإقليمية. فقد سارعت طهران إلى نشر صواريخ باليستية جديدة بعيدة المدى، وهو ما اعتبرته إسرائيل بمثابة مظلة حماية لبرنامج إيران النووي. وفي يناير، قمعت السلطات الإيرانية بعنف انتفاضة شعبية عمت أنحاء البلاد. وبذلك، أظهر النظام أنه لم يغيّر نهجه، ما يعني أن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تزالان تواجهان الخصم نفسه الذي أشعل الحرب عام 2023 عبر وكلائه، والذي سيواصل، حتمًا، تأجيج المزيد من الصراعات.
ولم يكن السؤال المطروح أمام واشنطن سوى: هل من الأفضل توجيه الضربة عاجلًا أم آجلًا؟ وقد خلصت إدارة ترامب وإسرائيل إلى أن مهاجمة إيران بينما لا تزال في حالة ضعف نسبي نتيجة حرب الأيام الاثني عشر والانتفاضة الشعبية، أفضل من انتظار استعادتها زمام المبادرة وإعادة بناء ترسانتها الصاروخية.
فماذا حققت أمريكا من الحرب؟
رغم تحفظات بعض الساسة الأمريكيين بشأن أهداف الحرب ومستوى الإعداد لها، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل ألحقتا بإيران أضرارًا كبيرة منذ 28 فبراير/شباط الماضي.
فقد انهارت بالكامل شبكة الوكلاء التابعة لطهران، التي كانت قد ضعفت أصلًا خلال السنوات الثلاث الماضية. وحافظت بقايا حركة حماس على وقف إطلاق النار في غزة، وعلى خلاف ما جرى خلال عامي 2023 و2024، عندما شنت المليشيات العراقية والحوثيون في اليمن مئات الهجمات على الأصول العسكرية الأمريكية وسفن التجارة في البحر الأحمر، بقيت الشبكات الموالية لإيران إلى حد كبير خارج ساحة المواجهة في الجولة الأخيرة من الصراع.

كما رفضت بغداد، عقب انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2025، المرشحين الأكثر قربًا من إيران لتولي رئاسة الوزراء، واتخذت المليشيات العراقية الموالية لطهران بعض الخطوات، ولو كانت شكلية، للاندماج في مؤسسات الدولة العراقية الرسمية.
أما إسرائيل، فقد ألحقت هزيمة حاسمة بالوكيل الوحيد الذي انخرط في الحرب، وهو حزب الله. وللمرة الأولى منذ أكثر من أربعين عامًا، دخل لبنان في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل بشأن نزع سلاح الحزب. وتسيطر إسرائيل حاليًا على أراضٍ داخل لبنان تمتد حتى نهر الليطاني، على بعد نحو 15 إلى 20 ميلًا شمال حدودها، ولا تُلزمها مذكرة التفاهم بالتخلي عن تلك المكاسب.
كما دمرت الحرب جزءًا كبيرًا من القدرات العسكرية الإيرانية المتبقية، ولا سيما شبكة الدفاع الجوي. ووفقًا لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون)، فقد استهدفت الولايات المتحدة، منذ 28 فبراير/شباط، أكثر من 1500 هدف للدفاعات الجوية الإيرانية، إضافة إلى 1250 موقعًا لتخزين الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.
وقدرت إيران الخسائر الناجمة عن الحرب بنحو 270 مليار دولار، في حين لم تتسبب الاعتداءات الإيرانية الغادرة والمقذوفات التي نجحت في اختراق الدفاعات إلا بأضرار محدودة للأهداف الإسرائيلية، وأضرار متوسطة للقواعد الأمريكية في المنطقة والبنية التحتية لدول الخليج.
الصفقة الحقيقية
يبقى الاختبار الحقيقي لحجم الضرر الذي ألحقته الحملة بإيران مرتبطًا بمصير برنامجها النووي.
فبموجب مذكرة التفاهم، لم تلتزم إيران سوى بمناقشة برنامجها النووي، دون اتخاذ خطوات عملية محددة، باستثناء تخفيف تركيز مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب بشكل خطير من مستوى 90% اللازم لإنتاج الأسلحة النووية، بينما لا تزال معظم تلك الكميات مدفونة تحت الأرض.
كما تربط المذكرة بين مناقشة ملف التخصيب وتخفيف العقوبات، بما يشير إلى أن المفاوضين توصلوا بصورة غير رسمية إلى ربط الملفين. وتشير تقارير مسربة إلى أن المحادثات النووية الأمريكية الإيرانية التي عُقدت في فبراير/شباط أحرزت بعض التقدم بشأن فرض قيود على التخصيب.
لكن إذا أرادت الولايات المتحدة كبح الطموحات النووية الإيرانية بصورة فعلية، فعليها ضمان التخلص نهائيًا من تلك المخزونات، ومنع إيران من استئناف عمليات التخصيب مستقبلًا.

ويرى كثير من المراقبين أن الولايات المتحدة أصبحت اليوم في موقع تفاوضي أفضل مما كانت ستكون عليه لو بقيت ضمن الاتفاق النووي. فالعقوبات الاقتصادية القاسية التي فرضها ترامب بعد انسحابه من الاتفاق عام 2018، إلى جانب التدمير الأمريكي الإسرائيلي المشترك لجزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية خلال حرب الأيام الاثني عشر، منحت واشنطن أوراق ضغط مهمة في المفاوضات الجارية.
وبات بإمكان الولايات المتحدة الآن أن تعرض على طهران وقفًا لإطلاق النار وتخفيفًا للعقوبات، مقابل قبول إيران بفرض قيود على تخصيب اليورانيوم.
وبحسب «فورين أفيرز»، فإن الولايات المتحدة، راكمت على مدى السنوات الثلاث الماضية، سلسلة من المكاسب التي نجحت إلى حد كبير في تقويض الإنجازات الإقليمية التي حققتها إيران خلال العقدين السابقين، مشيرة إلى أنه إذا تمكنت الإدارة الأمريكية من الإبقاء على مضيق هرمز مفتوحًا، وفرض قيود طويلة الأمد على تخصيب اليورانيوم الإيراني، فإن سياسة الاحتواء التي انتهجتها واشنطن، بدلًا من السعي إلى إسقاط النظام الإيراني، ستكون قد حققت نجاحًا.
ولذلك، فإن المهمة المطروحة الآن تتمثل في ترسيخ هذه المكاسب، وضمان أن تبقى إيران أضعف مما كانت عليه عندما اندلع الصراع لأول مرة في عام 2023.