دروس العراق.. فنزويلا على حافة «الخطأ الأمريكي»
رغم الفوارق العميقة بين السياقين العراقي والفنزويلي، فإن ما يجري اليوم في كاراكاس يوقظ شبحًا سياسيًا مألوفًا في الذاكرة الأمريكية، شبح إسقاط النظام دون امتلاك تصور واقعي لـ«اليوم التالي».
فكما بات العراق لعقود عنوانًا لإخفاقات واشنطن الاستراتيجية، يلوح في الأفق خطر تحوّل فنزويلا إلى اختبار جديد لحدود القوة الأمريكية، وقدرتها على ترجمة التفوق العسكري إلى استقرار سياسي دائم، وفق تحليل لـ«فورين أفيرز».
- فنزويلا.. «اللاعبون» يلقون بأوراقهم على طاولة المستقبل
- أمريكا من فنزويلا إلى إيران.. شرخ الموارد يطفئ جبهات محتملة
صحيح أن فنزويلا ليست العراق، لا من حيث التركيبة المجتمعية، ولا من حيث طبيعة التدخل، ولا حتى من حيث حجم الانخراط العسكري. غير أن التشابه يكمن في المنهج، وهو افتراض أن إزالة رأس النظام كافية لإعادة تشغيل الدولة، وأن المؤسسات، ولو كانت متآكلة، ستواصل العمل تلقائيًا، وأن الضربة السريعة ستُنتج واقعًا سياسيًا جديدًا بأقل كلفة ممكنة.
هذا الافتراض كان في قلب الخطأ الأمريكي في العراق. وهناك مؤشرات متزايدة على أنه يُعاد اليوم في فنزويلا.
إسقاط النظام.. وبقاء الدولة معلقًا
في العراق، ساد اعتقاد راسخ داخل واشنطن بأن جهاز الدولة، بما فيه القوات الأمنية، سيبقى قائمًا بعد سقوط صدام حسين. لكن ما حدث كان العكس تمامًا. فقد انهارت السلطة، وتفككت المؤسسات، وتحوّل الفراغ السياسي إلى فوضى أمنية غذّت العنف والتمرد.
المشهد الفنزويلي لا يبدو بعيدًا عن هذا السيناريو. فعلى مدى أكثر من ربع قرن من الحكم البوليفاري، جرى تفريغ مؤسسات الدولة من مضمونها، وربط الجيش والأجهزة الأمنية بشبكات اقتصادية غير مشروعة، من تهريب النفط والمخدرات إلى التعدين غير القانوني. ومع إزالة نيكولاس مادورو، لا توجد ضمانة بأن هذه البنية الهشة ستتماسك، بل على العكس، قد تتفكك بسرعة إذا انقطعت مصادر التمويل التي أبقت الولاءات قائمة.
إن أخطر ما قد تواجهه واشنطن في فنزويلا ليس مقاومة منظمة بالضرورة، بل انهيارًا صامتًا للنظام العام، يعقبه نهب، وعنف موضعي، وصراعات داخل الأجهزة نفسها، في دولة أنهكها الفقر والتضخم والعقوبات.
«الفرح الأول» وسرعة تبخره
في بغداد، كما في كاراكاس اليوم، استقبل كثيرون سقوط صدام حسين بمشاعر ارتياح حذِر. لكن تلك المشاعر تلاشت بسرعة حين فشلت القوة التي أسقطت النظام في توفير الأمن والخدمات الأساسية. ومع غياب القانون، تحوّل الأمل إلى شك، ثم إلى غضب.
الخطر ذاته يهدد فنزويلا. فإزالة مادورو، مهما بدت خطوة تحررية، لا تعني تلقائيًا تحسن حياة الناس. وإذا لم يشعر المواطن العادي بعودة الأمن، واستقرار الأسعار، وتوافر الخدمات، فإن السردية السائدة ستتحول سريعًا من «تحرير» إلى «فوضى جديدة».
وفي تلك اللحظة، تصبح الولايات المتحدة، لا النظام السابق، هدف الغضب الشعبي.
لعنة النفط.. الرواية التي لا تموت
من أكثر الدروس قسوة في العراق أن رواية «الحرب من أجل النفط» طغت على كل خطاب أمريكي آخر، مهما حاولت واشنطن نفيها.
ورغم أن الولايات المتحدة لم تستولِ فعليًا على نفط العراق، فإن العجز عن ضبط الأمن وتقديم نموذج حكم أفضل جعل هذه الرواية مقنعة في نظر كثيرين.
في فنزويلا، تبدو المخاطرة أكبر. فالتصريحات الأمريكية الصريحة بشأن النفط الفنزويلي تمنح هذه الرواية زخمًا مسبقًا.
وحتى إن كانت واشنطن ترى في النفط مصلحة استراتيجية مشروعة، فإن التركيز عليه، دون ربطه بإصلاح الحكم وبناء الدولة، سيُقوّض أي قبول شعبي للتدخل.
الواقع أن النفط، في غياب مؤسسات شرعية وشفافة، لا يصبح محركًا للتعافي، بل وقودًا لصراع جديد على السلطة والثروة.
الديمقراطية كضرورة.. لا كشعار
أحد سوء الفهم الشائع حول التجربة العراقية أن السعي إلى الديمقراطية كان مجرد اندفاع أيديولوجي. لكن ما تبيّن على الأرض أن غياب نظام سياسي شامل كان وصفة مؤكدة لعدم الاستقرار.
ففي دولة منقسمة وغنية بالموارد، لا يمكن لأي فئة أن تحكم بمفردها دون أن تُقصي الآخرين وتدفعهم نحو العنف.
فنزويلا تواجه معضلة مشابهة. فحتى لو كانت المعارضة تمتلك اليوم شرعية انتخابية واضحة، فإن تجاهل شريحة واسعة من المجتمع المرتبطة بالإرث التشافيزي سيعيد إنتاج الانقسام.
الانتقال السياسي القابل للحياة هو ذاك الذي يدمج، لا يستأصل، ويُميّز بين من تلطخت أيديهم بالجرائم، ومن ارتبطوا بالنظام بدافع القناعة أو الحاجة.
وهم الاكتفاء بالقوة
في لحظة القوة الأمريكية المطلقة بعد 2003، اعتقدت واشنطن أنها قادرة على إدارة التحول العراقي منفردة. لكن غياب الدعم الإقليمي والدولي حوّل العراق إلى ساحة صراع مفتوحة، واستنزف الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا.
اليوم، تبدو إدارة ترامب واثقة بقدرتها على فرض مسارها في فنزويلا بالقوة والسرعة.
غير أن التجربة تُظهر أن القوة وحدها لا تصنع نظامًا، ولا تحمي انتقالًا سياسيًا هشًا. فدول الجوار، والقوى الدولية المنافسة، تمتلك أدوات كافية لإفشال أي مسار لا يراعي مصالحها أو يُشركها في صياغته.
درس العراق.. قبل فوات الأوان
ومع أن فنزويلا غير محكومة بالتحول إلى عراق جديد، لكن تجاهل دروس التاريخ يجعل هذا الاحتمال أكثر واقعية.
فإسقاط «رأس دولة» ليس نهاية القصة، بل بدايتها الأخطر. والنجاح لا يُقاس بسرعة العملية العسكرية، بل بقدرة الدولة الجديدة على البقاء.
ما تزال أمام واشنطن فرصة لتفادي المستنقع: عبر التخطيط الجاد لليوم التالي، وتقديم الأمن على الشعارات، وبناء شراكات إقليمية، والتعامل مع الديمقراطية كأداة استقرار لا كترف أخلاقي.
فإما أن تتعلم من العراق، أو تُضيف فنزويلا إلى سجل الإخفاقات التي تبدأ بالانتصار… وتنتهي بالندم.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg
جزيرة ام اند امز