هل يغير العراق موقفه من حزب الله اللبناني؟.. وثيقة مسربة للعقوبات تثير الجدل
يجد العراق نفسه أمام اختبار جديد بعد تعميم عقوبات أمريكية طالت جهات مرتبطة بحزب الله اللبناني.
اختبار يضع بغداد أمام الموازنة بين متطلبات النظام المالي الدولي وحساباته السياسية، في ظل وثيقة منسوبة لوزارة الخارجية العراقية أعادت تسليط الضوء على التزامات بغداد بالعقوبات الأمريكية.
وتضمنت الوثيقة -التي لم تؤكدها أو تنفها الحكومة العراقية حتى كتابة هذا التقرير- إخطارا تم توجيهه للدوائر الرسمية، بشأن إجراءات فرضتها وزارة الخزانة الأمريكية على أشخاص وكيانات مرتبطة بداعش وحزب الله اللبناني الذي تدعمه إيران.
ويرى خبراء أن نشر هذا التعميم (إن تم تأكيده رسميا) يأتي في إطار الامتثال للمنظومة المالية الدولية، في وقت تواجه فيه بغداد تحديا متزايدا في الحفاظ على التوازن في علاقاتها بين واشنطن وطهران، بعدما تحولت البلاد لسنوات إلى ساحة تنافس غير مباشر بين الطرفين.
وحزب الله اللبناني، هو إحدى أذرع إيران في المنطقة ضمن ما يسمى "محور المقاومة" الذي يشمل فصائل عراقية شيعية، والحوثي في اليمن، وحماس والجهاد الإسلامي في فلسطين.
وخلال الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ثانية والتي اندلعت في نهاية فبراير/شباط الماضي، شن حزب الله والفصائل المسلحة الموالية لطهران في العراق، عشرات الهجمات دعما لإيران.
ويرى مراقبون أن هذه الشبكة تعمل على مستوى يتجاوز الإطار العسكري البحت، إذ إن روابطها ولاسيما السياسية لا تزال تفرض أجندها على المشهد السياسي خاصة في العراق.

زيارة وسياق
ولليوم الرابع على التوالي، يجري رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، زيارة للولايات المتحدة، والتقى الثلاثاء، الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في وقت تواصل فيه واشنطن الضغط على بغداد للحد من النفوذ الإيراني.
وأشاد ترامب بالزيدي واصفا إياه بأنه "بطل رائع"، منوها بأنه "صديق كبير لأمريكا".
وكان الزيدي تعهد بإنعاش الاقتصاد العراقي وتعزيز سلطة الدولة، إلى جانب حصر السلاح بأيدي القوى الأمنية الحكومية وإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة الموالية لإيران التي استهدفت مرارا منشآت ومصالح أمريكية في العراق.
وحددت الحكومة العراقية نهاية سبتمبر/أيلول المقبل موعدا نهائيا للفصائل المسلحة لتسليم أسلحتها، بالتزامن مع انتهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق.
ورغم إعلان بعض الفصائل استعدادها للتعاون مع الحكومة العراقية، لا تزال مجموعات أخرى ترفض التخلي عن سلاحها، في حين تتمتع الفصائل الموالية لإيران بنفوذ سياسي وعسكري واسع، وتطالب بانسحاب القوات الأمريكية من العراق.
وتتزامن زيارة الزيدي مع تجدد التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وإيران، حليفا العراق الذي طالما سعت حكوماته المتعاقبة لإيجاد التوازن بينهما.
التزامات
ويرى مدير المركز العراقي للإعلام في واشنطن، الكاتب والمحلل السياسي نزار حيدر، أن هذه ليست المرة الأولى التي تعمم فيها بغداد مثل هذه القرارات، مؤكدا أن العراق ملتزم بالقرارات الصادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية لعدة أسباب.
وقال حيدر، في حديث مع "العين الإخبارية"، إن "العراق يسعى إلى أن يكون شريكا قريبا للولايات المتحدة، وإن من متطلبات هذه الشراكة الالتزام بما يصدر عن واشنطن ومؤسساتها المالية، ولا سيما ما يتعلق بحركة الدولار ومكافحة تمويل الإرهاب".
وأضاف أن "العراق يلتزم بهذه القرارات أيضا لأن أمواله ما زالت تودع في حساب خاص بمدينة نيويورك يخضع لإشراف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، الأمر الذي يفرض عليه الامتثال لقرارات الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية لتجنب التعرض للعقوبات"
وأشار إلى أن قانون البنك المركزي العراقي، المعروف بقانون بريمر رقم (56)، لا يزال نافذا، وينص على إشراف الفيدرالي الأمريكي، بشكل من الأشكال، على حركة الدولار في العراق، ولم يجر تعديله أو إلغاؤه حتى الآن.
وأوضح أن "وزارة الخزانة الأمريكية ومجلس الاحتياطي الفيدرالي يصدران بصورة دورية تحديثات على قوائم العقوبات، ولذلك يقوم العراق بدوره بتحديث المعلومات وإبلاغ المصارف العراقية بها، حتى لا تتورط في أي تعاملات مالية أو مصرفية مع الجهات الخاضعة للعقوبات".
ويشير المحلل السياسي إلى أن العراق، ولا سيما في ظل مساعيه لإطلاق شراكة حقيقية مع الولايات المتحدة في مجالات الاستثمار والاقتصاد والنظام المصرفي، "يحتاج إلى الالتزام بهذه الشروط حتى يحافظ على مكانته كشريك لواشنطن".
وفيما يتعلق بحزب الله اللبناني، ذكّر حيدر بأن العراق لم يصنف الحزب حتى الآن تنظيما إرهابيا، مستدركا بالقول إن ذلك لا يمنعه من الالتزام بالعقوبات المفروضة عليه.
وأكد أن المصارف والمؤسسات العراقية ستلتزم بهذه التعليمات بشكل كامل، لأن مخالفتها قد تعرضها للعقوبات، كما حدث سابقا عندما فرضت الولايات المتحدة عقوبات على 14 مصرفا عراقيا، وحُرمت من التعامل بالدولار أو ما يعرف بالعملة الصعبة، وهو الوضع الذي لا يزال قائمًا بالنسبة لتلك المصارف.
امتثال مالي
من جهته، يرى الخبير في الشؤون الأمنية إحسان البديري أن التعميم العراقي يعكس حرص بغداد على الالتزام بقواعد النظام المالي العالمي، خاصة أن الاقتصاد العراقي يعتمد بشكل كبير على التعاملات بالدولار.
وفي حديث مع "العين الإخبارية"، أوضح أن العراق يعتمد بصورة كبيرة على النظام المالي العالمي في إدارة احتياطياته وتسوية معاملاته بالدولار، الأمر الذي يدفعه إلى تعميم العقوبات الأمريكية على المؤسسات المالية المحلية لتجنب تعرضها لإجراءات قد تؤثر في تعاملاتها المصرفية أو وصولها إلى النظام المالي الدولي.
لكن البديري أعرب عن اعتقاده بأن هذا التعميم "لا يمكن تفسيره باعتباره قرارا سياسيا بتبني التصنيف الأمريكي لحزب الله".
وأضاف "هناك فرق بين تطبيق إجراءات مالية مفروضة من جهات دولية أو مؤثرة في النظام المصرفي، وبين اتخاذ قرار سيادي بتصنيف جهة ما منظمة إرهابية".
سابقة عام 2025
ويعيد التعميم إلى الأذهان الجدل الذي أثاره نشر قرار في الجريدة الرسمية العراقية في ديسمبر/كانون الأول 2025 يقضي بتجميد الأموال والموارد الاقتصادية العائدة إلى جماعة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن وحزب الله اللبناني، قبل أن تتراجع الحكومة العراقية وتؤكد أن إدراج الكيانين جاء نتيجة «خطأ إداري».
ماذا تضمنت الوثيقة؟
وبحسب الوثيقة فإن التعميم يستند إلى كتاب وارد من وزارة الخارجية العراقية يتضمن إشعارًا بقرار صادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية.
وجاء في الوثيقة أن وزارة الخزانة الأمريكية أعلنت، في 22 و30 يونيو/حزيران 2026، فرض عقوبات على ثلاثة أشخاص وستة كيانات في أوروبا والشرق الأوسط وغرب أفريقيا، متهمة إياهم بتسهيل تحويلات مالية لصالح تنظيم داعش، إضافة إلى فرض عقوبات على عدد من الأشخاص والكيانات المرتبطة بحزب الله، وذلك بموجب الأمر التنفيذي الأمريكي الخاص بمكافحة الإرهاب.
وطلبت وزارة الخارجية العراقية، وفق التعميم، من الدوائر والمصارف والهيئات والشركات التابعة لها الاطلاع واتخاذ ما يلزم، من دون أن يتضمن الكتاب أي توجيهات إضافية بشأن آلية التنفيذ.
ويحمل الكتاب توقيع رئيس الصندوق العراقي للتنمية الخارجية، طافر مهدي عبدالله، بالنيابة عن مدير عام الدائرة الاقتصادية، مع الإشارة إلى توزيعه على عدد من المديريات والدوائر المختصة داخل الوزارة.
وكان تنظيم داعش الإرهابي قد سيطر في عام 2014 على مناطق واسعة في العراق وسوريا، وأثار رعبا في المنطقة والعالم. وفي عام 2017، أعلن العراق دحر التنظيم بمساندة من تحالف دولي بقيادة واشنطن.
ثم اندحر التنظيم الإرهابي في سوريا في 2019 أمام المقاتلين الأكراد المدعومين من واشنطن.