الذكاء الاصطناعي قاتلا.. ضغوط وزير الدفاع الأمريكي تبعثر أخلاقيات «أنثروبيك»
بينما يدخل العالم في سباق تسلح عالمي يتسارع بإيقاع التكنولوجيا، تصدر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث هذا الجدل، مع دعوة صريحة إلى تحرير أنظمة الذكاء الاصطناعي العسكرية من "القيود الأخلاقية" لتعمل بكامل طاقتها في ساحات القتال.
وتحت عنوان "هل الذكاء الاصطناعي جندي مثل غيره؟" قالت إذاعة "راديو فرانس" الفرنسية إنه في الولايات المتحدة، يريد وزير الدفاع وضع الذكاء الاصطناعي في حالة "الاستعداد العسكري".
وأضافت الإذاعة الفرنسية أن "الذكاء الاصطناعي يُستخدم بالفعل في ميادين القتال، لكنه حتى الآن جندي مفرط في الحذر، شديد التحفظ، يفتقر إلى الجرأة الكافية، على الأقل من وجهة نظر بيت هيغسيث".
ويرى وزير الدفاع الأمريكي أن بعض شركات الذكاء الاصطناعي تُثقل نفسها بأسئلة أخلاقية كثيرة واحتياطات معنوية مبالغ فيها.
وقد وجه الوزير إنذارًا نهائيًا إلى إحدى كبريات شركات الذكاء الاصطناعي، وهي شركة "أنثروبيك"، ومنحها مهلة حتى يوم الجمعة المقبل، للتخلي عن جميع الضوابط التي تقيد استخدام تقنياتها في المجال العسكري.
ووفقًا للإذاعة الفرنسية، فإنه حتى الوقت الراهن، رفضت "أنثروبيك" استخدام تقنياتها في "المراقبة الجماعية للأمريكيين". كما ترفض دمج نماذجها في أسلحة ذاتية التشغيل، أي أسلحة قادرة على اتخاذ قرار القتل دون أي إشراف بشري. وتُعد هذه القيود بمثابة حواجز أخلاقية.
لماذا تزعج هذه الحواجز إدارة ترامب إلى هذا الحد؟
وأشارت الإذاعة الفرنسية إلى أن وزير الدفاع لا يريد "أي قيود"، على حد تعبيره، سوى ما ينص عليه القانون. وبعبارة أخرى: "يجب أن يسير سباق التسلح وفق وتيرة الابتكار والفعالية، لا وفق المبادئ، وأقل من ذلك مبدأ الحيطة والحذر".
وأضافت أنه "إذا رفضت شركة أنثروبيك الامتثال للإنذار النهائي، فستدرج على ما يعرف بـ"القائمة الحمراء"، وسيُحرم عليها التعامل في أي عقود مع الإدارات الأمريكية، مما يضعها أمام خيار صعب بين الالتزام بضوابطها الأخلاقية أو المخاطرة بخسارة الفرص الحكومية الكبرى".
وتكشف مذكرة البنتاغون الصادرة في 9 يناير/ كانون الثاني الماضي عن ملامح الاستراتيجية الجديدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري.
انتهى زمن المثالية
وقد ورد فيها نص صريح يقول: "انتهى زمن المثالية، وحان وقت الواقعية الباردة"، وهو ما يُفهم ضمنيًا على أنه انتقاد لسياسات إدارة الرئيس السابق جو بايدن التي اعتُبرت مفرطة في الحذر والتشدد في القضايا الأخلاقية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.
وكان من أوائل قرارات الرئيس دونالد ترامب بعد عودته إلى السلطة إلغاء اللوائح التنظيمية الخاصة بالذكاء الاصطناعي التي أقرتها إدارة بايدن، بما يعكس توجهًا نحو تسريع استخدام التكنولوجيا العسكرية دون قيود إضافية سوى القانون.
وتساءلت الإذاعة الفرنسية: "هل سينجح وزير الدفاع في إخضاع أنثروبيك؟" الأمر غير محسوم، فالشركة التي تُقدر قيمتها بحوالي 300 مليار دولار، بنت سمعتها أساسًا على التزامها بالمعايير الأخلاقية في تطوير الذكاء الاصطناعي، وكان رئيسها التنفيذي، داريو أمودي، أحد الأسماء البارزة سابقًا في أوبن إيه آي وأحد مؤسسي تشات جي بي تي، لكنه غادر الشركة احتجاجًا على ما اعتبره أولوية الأرباح على الحذر الأخلاقي.
وخلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية، دعم أمودي المرشحة الديمقراطية كامالا هاريس، وكان من القلائل في قطاع التكنولوجيا الذين رفضوا حضور حفل تنصيب دونالد ترامب.
واعتبرت الإذاعة الفرنسية أن النقاش حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والدفاع لا يقتصر على الولايات المتحدة وحدها، موضحة أن جميع جيوش العالم تواجه الأسئلة نفسها: إلى أي مدى يمكن تفويض قدرة التحليل إلى الذكاء الاصطناعي؟ وإلى أي حد يمكن منحه سلطة تقديم المشورة، أو حتى اتخاذ القرار العسكري؟
كما نشر باحثون من كلية كينغز في لندن مؤخرًا نتائج تجربة محاكاة لصراعات عسكرية، حيث طُلب من نماذج ذكاء اصطناعي كبرى اتخاذ جميع القرارات، بدءًا من الاحتجاجات الدبلوماسية البسيطة وصولًا إلى التصعيد العسكري الكامل.
والنتيجة المذهلة كانت أن 95% من الحالات انتهت بمواجهة نووية. ولهذا فإن السؤال حول دور الذكاء الاصطناعي في الحروب ليس مجرد نقاش نظري أو هامشي، بل قضية وجودية تتعلق بأمن البشرية ومستقبل الحروب.