فطام عسكري.. إسرائيل تدرس التخلي عن المساعدات الأمريكية
في حين يخيم شبح حرب أمريكية إيرانية على الشرق الأوسط، تبحث إسرائيل أمرا لا يمكن تصوره، وهو التخلي عن إمدادات واشنطن العسكرية.
تحولات سياسية عميقة تشهدها الولايات المتحدة مع صعود تيار "لنجعل أمريكا عظيمة مجددا" أو "ماغا" ورؤيته الانعزالية "أمريكا أولا" وبالتزامن تتصاعد احتمالات اندلاع حرب إقليمية كبرى قد تشتعل إذا اتخذت واشنطن قرارها بشن ضربات على إيران.
وفي هذا السياق، يدور نقاش غير مسبوق داخل إسرائيل حول مستقبل اعتماد تل أبيب العسكري على الولايات المتحدة وهو النقاش الذي فجره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مقابلة مع مجلة "الإيكونوميست" عندما ألمح إلى رغبته في تقليص اعتماد بلاده على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال عشر سنوات فقط وهي فترة قصيرة جدًا وفق معايير التخطيط الاستراتيجي.
وتتلقى إسرائيل سنويًا نحو 3.3 مليار دولار كمساعدات عسكرية أمريكية، إضافة إلى نحو 500 مليون دولار لدعم منظومات الدفاع الصاروخي، وتشكل هذه المساعدات ركيزة أساسية لأمنها وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "تلغراف" البريطانية في تحليل لها.
وأشارت الصحيفة إلى أن التفكير الجدي لمخططي الأمن الإسرائيليين خلف الكواليس في مستقبل الدعم الأمريكي فعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعد من أكثر الرؤساء الأمريكيين دعمًا لإسرائيل، فإن أنصاره من تيار ماغا يرفضون إنفاق أموال دافعي الضرائب على دعم جيوش أجنبية.
وفي الوقت نفسه، فقد تراجع نفوذ التيار الإنجيلي المؤيد تقليديًا لإسرائيل داخل الحزب الجمهوري بالتزامن مع قلق تل أبيب مما تعتبره تصاعد لـ"مظاهر معاداة السامية" في الخطاب السياسي الأمريكي.
ومن منظور القيادة الإسرائيلية، فإن التفكير يدور الآن انطلاقا من منطق البقاء لعقود مقبلة حيث أصبح السؤال الجوهري الآن ليس فقط ما إذا كانت الولايات المتحدة ستواصل دعم إسرائيل اليوم، بل ما إذا كان هذا الدعم مضمونًا بعد عشرين أو ثلاثين عامًا، أو في خضم حرب إقليمية كبرى.
ورغم التفوق التكنولوجي الإسرائيلي، كشفت "تلغراف" حجم الاعتماد الفعلي على السلاح الأمريكي خاصة وأن معظم المنظومات الحاسمة، من طائرات "إف-35" إلى الذخائر الثقيلة والقنابل الموجهة، يتم تصنيعها في الولايات المتحدة.
وخلال حرب غزة، استوردت إسرائيل نحو 90 ألف طن من الأسلحة والمعدات من الولايات المتحدة خلال أقل من عامين، شملت ذخائر دبابات وقذائف مدفعية وقنابل دقيقة التوجيه، وهي أدوات أساسية في حرب استنزاف حضرية طويلة.
وبموجب اتفاقية التعاون العسكري الموقعة عام 2016، يتم تمويل هذه المشتريات بأموال أمريكية، لكن يلزم الاتفاق إسرائيل بإنفاق معظمها داخل الولايات المتحدة، مما أدى بمرور الوقت إلى إضعاف القاعدة الصناعية العسكرية المحلية الإسرائيلية.
وتشير الأرقام إلى أن أكثر من 65% من واردات إسرائيل العسكرية خلال العقد الماضي جاءت من الولايات المتحدة، وهو ما يجعل العلاقة مفيدة جدًا لشركات السلاح الأمريكية التي تستفيد سياسيًا وإعلانيًا من استخدام منتجاتها في النزاعات.
تاريخيًا، تضمن واشنطن لإسرائيل ما يعرف بـ"التفوق العسكري النوعي"، وهو التزام قانوني يضمن أن تمتلك إسرائيل قدرات تفوق أي خصم إقليمي لكن بعض الخبراء الإسرائيليين، مثل رافائيل بن ليفي، يرون أن هذه العلاقة أقرب إلى "رعاية" منها إلى "شراكة متكافئة"، ويطالبون بالانتقال إلى نموذج أكثر استقلالية.
ويرى أنصار هذا الطرح، أن نقل إنتاج الذخائر الأساسية إلى الداخل الإسرائيلي ممكن، وأن التكلفة الإضافية ستكون محدودة نسبيًا، وقد لا تتجاوز 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرشحة للتراجع مع نمو الاقتصاد.
ويرى هذا الفريق أن امتلاك صناعة ذخائر وطنية سيمنح إسرائيل هامش أمان حاسمًا في حال اندلاع حرب طويلة دون دعم أمريكي فوري.
ومع ذلك، يرى فريق آخر أن الاستغناء الكامل عن التعاون العسكري مع واشنطن أمر مستحيل لأن بناء طائرات مقاتلة أو مروحيات هجومية محليًا غير واقعي في المدى القريب وستظل إسرائيل تعتمد على الولايات المتحدة في المنظومات الجوية المتقدمة، كما هو الحال مع صفقة مروحيات الأباتشي الأخيرة.
ووفقا لـ"تلغراف" فإن الدافع الحقيقي وراء هذا التوجه، ليس فقط الخوف من تراجع الدعم الأمريكي، بل يرتبط برغبة اليمين الإسرائيلي في حرية قرار أكبر لأن تلقي المساعدات يجعل إسرائيل، بنظر منتقديها، مضطرة لمراعاة التفضيلات الأمريكية في ملفات استراتيجية كبرى مثل إيران.
ويرى نتنياهو أن إسرائيل "بلغت سن الرشد"، وباتت قادرة اقتصاديًا على تحمل تكلفة استقلال أكبر بل إن هذا التحول قد يقلب المعادلة مستقبلًا، بحيث تصبح إسرائيل شريكًا تقنيًا يساعد الولايات المتحدة، كما هو الحال في مشروع "القبة الذهبية" للدفاع الصاروخي الذي يسعى ترامب إلى تطويره.
ومع اقتراب اتفاقية المساعدات الحالية من نهايتها في 2028 فقد تكون تصريحات نتنياهو مزيجًا من رؤية استراتيجية بعيدة المدى وحسابات سياسية آنية تخدم ترامب أمام قاعدته الانعزالية لذا يبقى السؤال هل هناك تحول تاريخي حقيقي في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، أم أن الأمر مجرد مناورة سياسية محسوبة؟