«توحيد المؤسسات».. خريطة إنقاذ ليبيا من سيناريو «الدولة الفاشلة» (خاص)
تدخل ليبيا مرحلة سياسية جديدة عنوانها "توحيد المؤسسات" في محاولة لإعادة بناء الدولة.
ويتزايد الرهان الدولي على هذا المسار، كخطوة للعبور نحو الانتخابات والاستقرار، بعد سنوات من الانقسام والصراع بين حكومتين ومؤسسات أمنية وعسكرية متوازية.
وخلال الأسابيع الأخيرة تكثفت التحركات الأممية والإقليمية والدولية لإحياء مشروع توحيد مؤسسات الدولة الليبية، بدءا من المؤسسة العسكرية وصولا إلى السلطة التنفيذية والأجهزة السيادية في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن استمرار الانقسام قد يدفع البلاد إلى ترسيخ نموذج "الدولة الفاشلة".
وفي هذا السياق، التقت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه مع قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر في مدينة بنغازي لبحث سبل توحيد المؤسسات المنقسمة والدفع بالعملية السياسية نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وبحسب بيان صادر عن قوات الشرق الليبي، تناول اللقاء آخر تطورات المشهد السياسي والجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات بما يهيئ البلاد للاستحقاقات الانتخابية، فيما أكد حفتر دعمه لجهود البعثة الأممية لتحقيق الاستقرار الدائم.
زخم دولي
ويحظى ملف "توحيد المؤسسات" الليبية بزخم دولي غير مسبوق، إذ تتقاطع فيه مقاربتان رئيسيتان الأولى تقودها الأمم المتحدة بدعم أوروبي واسع عبر خارطة الطريق التي تعمل عليها هانا تيتيه، والثانية تتحرك بغطاء أمريكي يركز على إعادة هندسة السلطة وتوحيد المؤسسات قبل الذهاب إلى أي انتخابات.
وبين المسارات المطروحة ينتظر الليبيون حلا لأزمة طالت لأكثر من عقد تجلت فيه كل مظاهر الانقسام والتشظي.
وفي إطار الجهود المبذولة لتوحيد المؤسسات، تحدث كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس عن مؤشرات إيجابية لإمكانية الوصول إلى حكومة وبرلمان وجيش موحدين.
أما على المستوى الأمني فقد شهدت مدينة سرت اجتماعات لفريق التنسيق المشترك لأمن الحدود برعاية أممية انتهت إلى الاتفاق على خطوات عملية لتعزيز التنسيق الحدودي وإجراء عمليات تعايش ميداني مشتركة بين وحدات حرس الحدود في مناطق محددة.
ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس إدراكا دوليا متزايدا بأن استمرار الانقسام المؤسساتي لم يعد يهدد المسار السياسي فقط، بل يهدد بقاء الدولة نفسها، خاصة مع تزايد نفوذ الجماعات المسلحة والاقتصاد الموازي وتعثر الخدمات العامة.
رغبة دولية وتعقيدات داخلية
ورغم هذا الزخم لا تبدو مهمة "توحيد المؤسسات" سهلة في ظل تعقيدات المشهد الليبي وتداخل الحسابات المحلية والإقليمية.
ومع اختلاف الرؤى حول جدية المجتمع الدولي وآليات البعثة الأممية، فإن أغلب التقديرات تتفق على أن استمرار الوضع الراهن لم يعد قابلا للاستدامة وأن أي تأخير جديد في توحيد مؤسسات الدولة قد يدفع ليبيا نحو مرحلة أكثر هشاشة وتعقيدا.
عضو مجلس الدولة الليبي أحمد اهمومة اعتبر أن جهود البعثة الأممية ما تزال تفتقر إلى الآليات القادرة على معالجة جذور الأزمة.
وقال اهمومة في تصريحات خاصة لـ"العين الإخبارية" إن محاولات توحيد المؤسسة العسكرية والسلطة التنفيذية تصطدم بغياب أساس دستوري وسياسي متين إضافة إلى المشكلات البنيوية داخل المؤسسات العسكرية شرق البلاد وغربها.
وأوضح أن ليبيا تحتاج إلى مقاربة مختلفة تتجاوز الحلول التقليدية، مشيرا إلى أن المدخل الحقيقي للاستقرار يبدأ بإنجاز دستور دائم وتنظيم انتخابات رئاسية تنتج سلطة موحدة تحظى بشرعية شعبية كاملة.
وأضاف أن استمرار الانقسام داخل السلطة التنفيذية يجعل من الصعب تنظيم انتخابات حقيقية، معتبرا أن البعثة الأممية بطيئة في اتخاذ خطوات أكثر جرأة مثل تشكيل لجنة حوار موسعة تضم مختلف أطياف المجتمع الليبي لاختيار حكومة ومجلس رئاسي جديدين، تكون مهمتهما الأساسية إجراء الانتخابات.
ويرى اهمومة أن غياب الحسم السياسي الواضح يجعل الجهود الحالية أقرب إلى إدارة الأزمة لا حلها الأمر الذي قد يفاقم الانقسام بدلا من احتوائه.
هاجس الدولة الفاشلة
في المقابل، يرى المحلل السياسي الليبي عادل ياسين أن الزخم الدولي الراهن يمثل فرصة نادرة ينبغي على الليبيين استثمارها لإنقاذ الدولة من سيناريو الانهيار المؤسسي الكامل.
وقال ياسين لـ"العين الإخبارية" إن بناء مؤسسات وطنية موحدة يتطلب توافقا داخليا بين القوى السياسية والقبلية إلى جانب تفاهمات مع القوى الخارجية الداعمة للأطراف المختلفة.
وأشار إلى أن ضعف فعالية الهياكل الحكومية الحالية يعكس واحدة من أخطر أزمات الدولة الليبية، موضحا أن استمرار الانقسام والصراع بين الميليشيات والجماعات المسلحة قد يدفع ليبيا إلى التحول لدولة فاشلة أو شبه فاشلة.
وأضاف أن الجماعات المسلحة والأطراف الفاعلة خارج مؤسسات الدولة ما تزال تتعامل مع السلطة باعتبارها أداة لخدمة المصالح الخاصة وهو ما يعطل أي محاولة لبناء مؤسسات مستقرة وقادرة على فرض القانون.
مفتاح العبور
ويعتبر مراقبون أن ملف توحيد المؤسسة العسكرية يمثل الحلقة الأكثر حساسية في مسار إعادة بناء الدولة الليبية بالنظر إلى ارتباطه المباشر بملفات الأمن والسيادة والانتخابات.
ويؤكد ياسين أن توحيد الجيش لا يتعلق فقط بالشق الأمني بل يشكل شرطا أساسيا لإنهاء الانقسام السياسي وتحسين المناخ الاقتصادي وجذب الاستثمارات الأجنبية.
وأوضح أن إصلاح القطاع الأمني يمثل البوابة الرئيسية لتحقيق التنمية والاستقرار الدائم، لافتا إلى أن المناورات والتدريبات العسكرية المشتركة بين قوات الشرق والغرب تعكس وجود رغبة أولية لدى الطرفين للانخراط ضمن مؤسسة عسكرية موحدة.
كما أشار إلى أن "لجنة 5+5 العسكرية المشتركة" وضعت اللبنة الأولى لهذا المسار فيما تتواصل الجهود الدولية لإيجاد صيغة توافقية لحل الخلافات المتعلقة بقيادة الجيش وهيكلته.