كيف غيّرت مشاريع ميتران الكبرى المشهد العمراني والثقافي لفرنسا؟
أُطلقت فرنسا، على مدار سنوات، ما عُرف بـ"المشاريع الكبرى"، تلك الإنجازات المعمارية التي أنجزت منذ الولاية الأولى للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران عام 1981.
وشكلت هذه المشاريع علامة فارقة في المشهد العمراني والثقافي للبلاد.
البناء كان دائمًا وسيلة لتخليد الأسماء في التاريخ، ومن الملوك إلى قادة الدول، سعى الجميع لترك بصمة عبر الحجر والمعمار، ولم يكن الرؤساء الفرنسيون استثناء، وإن تراجعت هذه الممارسة منذ عهد نيكولا ساركوزي، بحسب محطة "فرانس.إنفو" الفرنسية.
فالرئيس جورج بومبيدو ترك متحفًا للفن الحديث باسمه، بينما ارتبط اسم جاك شيراك بمتحف "كي برانلي"، في حين خطط فاليري جيسكار ديستان لإعادة تأهيل متحف أورسي والأورانجري وحديقة لا فيليت، غير أن أيًا من هؤلاء لم يصل من حيث عدد المشاريع أو حجم الإنفاق إلى مستوى ما أنجزه ميتران، المرتبط بما عُرف لاحقًا بـ"مشاريعه الكبرى".
منذ مؤتمره الصحفي الأول أواخر عام 1981، حرص ميتران على الظهور كرئيس بنّاء، واضعًا الأسس لمشروعات ضخمة: استكمال ما بدأه سلفه جيسكار ديستان، ثم المضي سريعًا في التخطيط لدار أوبرا جديدة، ومشروع "اللوفر الكبير"، وإعادة تنظيم حي لا ديفانس، مع رغبة في جعل الثقافة الفرنسية متاحة لأوسع شريحة ممكنة من المجتمع.
أوبرا الباستيل: كسر النخبوية الكلاسيكية
تم إنشاء دار أوبرا وطنية جديدة في ساحة الباستيل بدفع من وزير الثقافة جاك لانغ، لدعم أوبرا غارنييه الصغيرة والمتقادمة تقنيًا، وصممه المعماري الكندي–الأوروغوياني كارلوس أوت.
ترك المبنى الزخارف الكلاسيكية والذهبيات، ليظهر ككتلة صارمة وبسيطة، مع تركيز على الطبقات الوسطى والشعبية، وكان من المقرر افتتاحه في 14 يوليو/تموز 1989، لكن الافتتاح تأخر أيامًا، ما أثر على جودة البناء. في عام 1991، رفعت الدولة دعاوى بسبب عيوب إنشائية، وأشار تقرير ديوان المحاسبة عام 2024 إلى تهالك البنية التحتية. في سبتمبر/أيلول 2025، أعلنت وزيرة الثقافة خطة ترميم بقيمة 450 مليون يورو تشمل أوبرا غارنييه والباستيل، مع احتمال إجراء تحول جذري في موقع أوبرا الباستيل.
اللوفر الكبير: إعادة اللوفر إلى وظيفته الأصلية

أُطلق المشروع عام 1981 لإعادة تخصيص اللوفر بالكامل للثقافة، مع تنظيم الحركة الداخلية واستيعاب الزوار المتزايدين. في عام 1983، اختير مشروع المعماري الصيني–الأمريكي آي. إم. باي، الذي اقترح إقامة هرم زجاجي ضخم في قلب القصر كمدخل حديث يؤدي إلى فضاء استقبال تحت الأرض.
رغم معارضة سياسية، افتتح الهرم عام 1989، واكتمل مشروع اللوفر الكبير عام 1993، وارتفعت أعداد الزوار من 1.4 مليون عام 1980 إلى نحو 9 ملايين زائر في 2025. تواجه المباني تحديات جديدة، من تسربات المياه إلى مشكلات أمنية، وأعلن إيمانويل ماكرون في يناير/كانون الثاني خطة ترميم باسم "النهضة الجديدة للوفر" بكلفة تتجاوز 700 مليون يورو لعشر سنوات.
وزارة المالية: حلة جديدة
إخلاء وزارة المالية من اللوفر أدى لإنشاء مجمع بيرسي على ضفاف السين، وافتُتح عام 1989 بعد سبع سنوات من الأشغال، ويضم 5 مبانٍ، وصُمم ليكون رمزًا للقوة والاستمرارية، وهو اليوم بحاجة لتحديث شامل ضمن مشروع "بيرسي الكبير"، بكلفة قد تصل إلى 500 مليون يورو.
القوس الكبير في لا ديفانس: عمارة العملاق الصامت
فاز المعماري الدنماركي يوهان أوتو فون شبركلسن بمسابقة تصميم القوس الكبير عام 1983، ليصبح تتويجًا لمحور باريس التاريخي، غير أن المشروع أُنجز في ظروف استعجال، وافتتح عام 1989، وأصبح رمزًا بارزًا لحي الأعمال، وموضوعًا لأعمال أدبية وسينمائية لاحقة.
المكتبة الوطنية الفرنسية: الطاولة الزجاجية المقلوبة
أُطلقت عام 1988 لمعالجة الاكتظاظ، وصممها المعماري دومينيك بيرو على شكل طاولة زجاجية مقلوبة بأربعة أبراج تحتضن ملايين الكتب. افتتحت عام 1995، وفتحت للجمهور في 1996 بعد وفاة ميتران، وتقترب اليوم من حدود طاقتها الاستيعابية، مع التخطيط لإنشاء موقع تخزين جديد في أميان بحلول 2030.