حرب أوكرانيا وتراجع الثقة بالناتو.. الفرنسيون يميلون لـ«جيش أوروبي موحد»
كشف استطلاع للرأي أجراه معهد «أيفوب» لدراسات الرأي العام لصالح مؤسسة «جان جوريس» عن تمسك الفرنسيين بفكرة الدفاع الأوروبي المشترك، في ظل سياق دولي متدهور وتصاعد التوترات الأمنية العالمية.
وذكرت صحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية أنه، في ظل سياق جيوسياسي يتسم بتصاعد التوتر في الشرق الأوسط واستمرار الحرب في أوكرانيا دون حسم، تبدو أوروبا معزولة إلى حد ما.
ووفقًا للدراسة، فإن أغلبية الفرنسيين تؤيد تعزيز وحدة دول الاتحاد الأوروبي حول بنية دفاعية مشتركة، في مؤشر على تنامي الرغبة في تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
وأوضحت الصحيفة أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية تقليدية على الأراضي الأوروبية عاد إلى الواجهة منذ بدء الحرب في أوكرانيا في 24 فبراير/شباط 2022، ما أنهى عمليًا مرحلة ما عُرف بـ«عوائد السلام» التي أعقبت سقوط الاتحاد السوفياتي.
وأضافت الصحيفة أن التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، إلى جانب الحرب بين إسرائيل وإيران، زادت من القلق الأوروبي، خاصة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافق ذلك من تصاعد التشكيك في مستقبل حلف شمال الأطلسي «الناتو».
كما أشارت إلى أن العقيدة الأمنية الأمريكية، التي نُشرت في ديسمبر/كانون الأول 2025، وجهت انتقادات لأوروبا، معتبرة أنها «في حالة تراجع» بسبب عدم تحمّلها نصيبها العادل من المسؤوليات داخل الحلف الأطلسي.
عودة شبح الحروب التقليدية
أوضحت الصحيفة أن الحرب في أوكرانيا أعادت إلى أذهان الأوروبيين احتمال اندلاع نزاعات عسكرية تقليدية داخل القارة، بعد سنوات طويلة من الاعتقاد بأن أوروبا دخلت مرحلة استقرار دائم عقب انهيار الاتحاد السوفياتي.
وأضافت أن عودة التنافس بين القوى الكبرى وتصاعد النزاعات المسلحة أنهيا عمليًا مرحلة الاستقرار التي سادت القارة الأوروبية لعقود.
قلق أوروبي متزايد
إلى جانب الحرب في أوكرانيا، ساهمت التوترات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين داخل أوروبا، خاصة مع التحولات السياسية في الولايات المتحدة والتساؤلات المتزايدة بشأن مدى التزام واشنطن بأمن القارة الأوروبية.
وترى الصحيفة أن هذه التطورات دفعت قطاعات واسعة من الرأي العام الأوروبي إلى إعادة التفكير في مستقبل المنظومة الدفاعية الأوروبية، ومدى الاعتماد على الولايات المتحدة في ضمان الأمن الأوروبي.
تراجع الثقة في «الناتو»
وأشارت الدراسة إلى أن الانتقادات الأمريكية المتكررة، إلى جانب المواقف السياسية الأخيرة، عززت الشكوك الأوروبية بشأن الاعتماد الكامل على حلف «الناتو» كضامن رئيسي للأمن، ما يفسر ارتفاع التأييد لفكرة إنشاء جيش أوروبي مستقل.
وأظهرت نتائج الاستطلاع أن 63% من الفرنسيين يؤيدون إنشاء جيش أوروبي، في تحول يعكس تزايد الدعم لفكرة الاستقلال الدفاعي الأوروبي عن الولايات المتحدة.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن أوروبا بحاجة إلى امتلاك قدراتها العسكرية الخاصة، ليس فقط للدفاع عن أراضيها، بل أيضًا لتعزيز دورها وتأثيرها على الساحة الدولية.
عقبات أمام المشروع
ورغم هذا الدعم الشعبي، لا يزال مشروع الجيش الأوروبي يواجه تحديات عدة، أبرزها اختلاف الرؤى السياسية بين دول الاتحاد الأوروبي، والتباين في القدرات العسكرية والميزانيات الدفاعية، فضلًا عن حساسية قضايا السيادة الوطنية والعلاقة المعقدة مع حلف «الناتو».
مستقبل الدفاع الأوروبي
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن النقاش حول إنشاء جيش أوروبي مرشح للتصاعد خلال السنوات المقبلة، مع سعي أوروبا إلى تحقيق توازن بين تعزيز أمنها واستقلالها الاستراتيجي، وبين الحفاظ على شراكاتها الدفاعية التقليدية.