الإخوان بين أوروبا والسودان.. مشروع اختراق متعدد الأدوات
في مساحات متباعدة جغرافيًا ومختلفة سياسيًا، تتحرك جماعة الإخوان، بمنهج واحد يتبدل في أدواته ولا يتغير في غايته.
فمن شبكات التأثير الناعم داخل المجتمعات الأوروبية إلى اختراق مؤسسات الدولة في السودان، يتكشف نمط عمل يقوم على التكيف المرحلي وبناء النفوذ المتدرج وصولًا إلى التمكين.
ووفق تقرير لصحيفة «ذا يوروبيان تايمز»، فإن هذا التباين الظاهري بين «اللوبي المدني» في أوروبا و«الامتداد السلطوي» في السودان لا يعكس اختلافًا في المشروع، بل يكشف مرونة تنظيمية تسمح للجماعة بإعادة إنتاج نفسها وفق كل بيئة، في مسار واحد عنوانه إعادة تشكيل الدولة والمجتمع عبر أدوات متعددة ومتوازية.
ولم تعد الجماعة خارج دائرة الضوء الدولي؛ فسواء جرى تصنيفها كمنظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، أو خضعت لإجراءات تدقيق وقيود في دول أوروبية مثل ألمانيا وفرنسا والنمسا، فإن المخاوف بشأن تمدد نفوذها وتنامي طموحاتها باتت تتصاعد بشكل لافت.
وجوه متعددة واستراتيجية واحدة
وما بين أوروبا والسودان، تتجلى حقيقة جوهرية هي أن الإخوان لا يعملون بأسلوب واحد، بل بمنهج متكيف يغيّر الأدوات ويحافظ على الهدف.
في أوروبا، يتسللون عبر «الذوبان الناعم» داخل المجتمع، مستفيدين من الحريات والقوانين.
وفي السودان، يمارسون «التمكين الصلب» داخل الدولة، مستندين إلى اختراق طويل الأمد للمؤسسات.
هذا التناقض الظاهري هو في الحقيقة أساس عمل التنظيم، إذ يسمح له بالتحرك بين المستويات، من المجتمع إلى السلطة، ومن التأثير غير المباشر إلى السيطرة المباشرة.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد التحدي في رصد نشاط الجماعة فقط، بل في تفكيك بنيتها المتحولة، قبل أن يتحول نفوذها المتراكم إلى واقع يصعب تغييره.
مخاطر أهداف الإخوان
وتتحرك جماعة الإخوان بمرونة بين الخطاب الديني والحقوقي، وبين العمل المدني والاختراق المؤسسي، دون أن تتخلى عن هدفها المركزي وهو إعادة تشكيل الدولة والمجتمع وفق مشروعها الخاص.
وتكشف التحركات على الأرض، سواء عبر محاولات بناء موطئ قدم في القرن الأفريقي أو عبر ترسيخ حضور متجذر داخل المجتمعات الأوروبية، عن نمط عمل معقّد يدفع الحكومات وأجهزة الأمن إلى إطلاق تحذيرات متكررة. غير أن فهم هذا التهديد يتطلب إدراك حقيقة أساسية، وهي أن الجماعة لا تعمل بنموذج واحد، بل تعتمد أساليب متباينة جذريًا من منطقة إلى أخرى.
وإذا كانت بعض التنظيمات تُقاس بخطابها المعلن، فإن الإخوان تُقاس بما تُخفيه من شبكات، وما تبنيه من نفوذ متدرج، وما تزرعه من تأثير طويل الأمد داخل المجتمعات والمؤسسات.
وبينما تواجه تضييقًا قانونيًا في بعض الدول، تواصل التمدد عبر أدوات مختلفة، مستفيدة من تباين البيئات السياسية.
تكشف المقارنة بين أوروبا والسودان نموذجًا صارخًا لهذا التحول: من «الذوبان البطيء» داخل المجتمعات الغربية، إلى «التمكين المباشر» داخل مفاصل الدولة في مناطق أخرى.
أوروبا.. تغلغل صامت وشبكات نفوذ ممتدة
في أوروبا، لا تظهر الجماعة كتنظيم سياسي تقليدي، بل كشبكة معقدة من الجمعيات والمنظمات التي تعمل تحت مظلات مدنية وحقوقية.
ووفق ما أورده تقرير «ذا يوروبيان تايمز»، فإن هذه الشبكات تشمل اتحادات مساجد، ومؤسسات تعليمية، ومنظمات شبابية، وأذرعًا مالية وخيرية، تُدار عبر كيانات تنسيقية مثل «المجلس الأوروبي للمسلمين» و«اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا»، إلى جانب مؤسسات موازية مثل «المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث» واتحادات الطلبة والشباب.
هذه البنية اللامركزية تمنح الجماعة قدرة على التغلغل دون الظهور ككيان موحد، ما يجعل رصدها أو تفكيكها أكثر تعقيدًا.
لكن الأخطر ليس في البنية، بل في الوظيفة. فالجماعة لا تسعى إلى مواجهة النظام الأوروبي، بل إلى التكيف معه والعمل من داخله، مستخدمة مقاربة براغماتية وخطاب الحقوق والحريات لتكريس حضورها، والحصول على شرعية تمثيل المجتمعات المسلمة، ومن ثم التأثير في السياسات العامة.
وتقدم الجماعة نفسها في أوروبا كفاعل مدني يسعى للتواصل مع الحكومات، بهدف الحصول على اعتراف رسمي بها كممثل للمجتمعات المسلمة، وتأمين موقع داخل دوائر التشاور وصنع القرار، والتأثير في سياسات تتعلق بالتعليم والحقوق الدينية والسياسة الخارجية، مع الحفاظ على مظهر الالتزام بالأطر القانونية والديمقراطية.
وفي حديث سابق لـ«العين الإخبارية»، قال الباحث برنارد روجييه إن الجماعة «تحولت إلى شبكة نفوذ عابرة للحدود تستثمر في المؤسسات المدنية والخطاب الحقوقي».
بينما حذر لوران بونيفوي من «الذوبان البطيء» الذي يجعل التمييز بين النشاط المدني والمشروع الأيديولوجي أكثر صعوبة.
هذا المسار لا يقوم على الصدام، بل على التراكم؛ لا يسعى إلى السيطرة السريعة، بل إلى إعادة تشكيل المجال العام تدريجيًا، عبر السيطرة على مفاصل مؤثرة مثل التعليم والعمل الجمعياتي والفضاء الديني.
لكن إدراك أوروبا للخطر الإخواني دفع دولا من ألمانيا للتحرك لمكافحة الإخوان، والإسلام السياسي بشكل عام، سواء عبر الإجراءات الحكومية، أو سياسات الأحزاب.
ومؤخرا، تبنى الاتحاد الاجتماعي المسيحي الحاكم في ولاية بافاريا؛ ثاني أكبر ولايات البلاد، ورقة جديدة بعنوان ”موقف واضح ضد التطرف الإسلاموي - من أجل حرية الدين والأمن“، خلال اجتماع لكتلته البرلمانية جارٍ حاليا.
وجاء في الورقة التي اطلعت "العين الإخبارية" على نسخة منها "لا مكان للأيديولوجيات الإسلاموية في ديمقراطيتنا؛ لأنها تستغل الدين لأغراض سياسية، وترفض نظامنا الليبرالي الديمقراطي، وتهدد الأمن والمساواة والتماسك الاجتماعي".
وتابع "الإسلام كدين ليس هو الإسلاموية كأيديولوجية متطرفة، والغالبية العظمى من المسلمين في بافاريا يعيشون بسلام، ويتحملون المسؤولية، ويشكلون جزءًا من الوسط الديمقراطي في بلدنا".
ولفت إلى أن "الخطر الأكبر للتطرف الإسلاموي يكمن اليوم في كثير من الأحيان في الفضاء الرقمي "، موضحا أن "الدعاية عبر الإنترنت والشبكات الاجتماعية الموجهة للشباب تسهم في تسريع عمليات التطرف – غالبًا دون أن يلاحظها أحد، وغالبًا بشكل منعزل، ولكن مع عواقب حقيقية".
السودان.. اختراق الدولة والسيطرة على الجيش
على النقيض من أوروبا، يتخذ نفوذ الجماعة في السودان طابعًا مباشرًا وأكثر صراحة، حيث لم تكتفِ بالتأثير، بل رسخت حضورها داخل بنية الدولة، خاصة المؤسسة العسكرية.
فمنذ عهد عمر البشير، اندمجت الحركة الإسلامية داخل أجهزة الحكم، وتغلغلت في الجيش والأمن والقضاء، ما أنتج نموذجًا لدولة متداخلة بين التنظيم والسلطة.
ورغم سقوط النظام، لم يختفِ هذا النفوذ، بل أعاد تشكيل نفسه داخل مراكز القرار، خصوصًا في ظل الحرب الحالية.
وتشير تقديرات وتحليلات إلى استمرار حضور الجماعة داخل بعض مفاصل الجيش السوداني، وتأثيرها على القرار العسكري والسياسي، وهو ما جعلها، أحد أبرز العوائق أمام مسارات التسوية.
وفي حديث سابق لـ«العين الإخبارية»، أكد الباحث حاتم طه أن تصنيف الإخوان كتنظيم إرهابي «يعكس إدراكًا دوليًا لدورهم في تعقيد المشهد»، مشيرًا إلى أن نفوذهم داخل الجيش ساهم في تعطيل المبادرات الدولية.
كما يرى المحلل مصطفى سري أن الخلاف حول وجود الجماعة داخل المؤسسة العسكرية كان سببًا رئيسيًا في تعثر جهود الوساطة، مؤكدًا أن «إبعادهم من الجيش» كان بندًا محوريًا في مقترحات الحل.
ومع انتقال مركز السلطة إلى بورتسودان، برزت مؤشرات على استمرار هذا التأثير داخل بنية الحكم، ما يعكس تداخلًا واضحًا بين السياسي والعسكري في حضور الجماعة.
بين العزلة الدولية والتشابك الإقليمي
ووفق التحليل، يمثل تصنيف الولايات المتحدة لإخوان السودان منظمة إرهابية تحولًا مهمًا، إذ يفتح الباب أمام تجميد الأصول، وفرض عقوبات، وعزل الجماعة سياسيًا، ما قد يعيد تشكيل موازين القوى داخل البلاد.
لكن هذا التحرك يأتي في سياق أكثر تعقيدًا، مع وجود مؤشرات على تقارب بين بعض دوائر السلطة في السودان وإيران، خاصة في مجالات التسليح، ما يثير مخاوف دولية إضافية، خصوصًا مع الموقع الاستراتيجي للسودان على البحر الأحمر.
هذا التشابك بين النفوذ الداخلي والارتباطات الإقليمية يعمّق الأزمة، ويجعل تفكيك نفوذ الجماعة أكثر إلحاحًا وتعقيدًا في آن واحد.
وفي ضوء هذه المعطيات، تتزايد المؤشرات على أن المجتمع الدولي بدأ يدرك طبيعة التهديد الذي تمثله الجماعة، إلا أن هذا الإدراك لا يبدو مكتملًا بعد، خصوصًا فيما يتعلق بفهم الترابط بين نفوذها المدني في أوروبا وتمركزها الاستراتيجي في السودان على البحر الأحمر.