لبنان وإسرائيل.. 3 عقبات تفصل الهدنة الهشة عن سلام ممكن
يعيش لبنان لحظة سياسية نادرة تبدو، رغم هشاشتها، أقرب إلى نافذة دبلوماسية قد لا تتكرر قريباً.
فقد أتاح تمديد وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان، وما تبعه من إطلاق محادثات مباشرة بين الجانبين برعاية أمريكية، فرصة استثنائية للانتقال من منطق الاشتباك المفتوح والتصعيد المتبادل إلى مسار تفاوضي منظم قد يؤسس لاستقرار طويل الأمد على الجبهة الجنوبية، بحسب مجلة ناشيونال إنترست.
وتزداد أهمية هذه اللحظة مع بروز قيادة لبنانية جديدة أبدت استعداداً غير مسبوق للانخراط في مقاربة مختلفة، عبر الدعوة إلى تفاوض مباشر، وطرح ملف حصر السلاح بيد الدولة، بالتوازي مع تسريع مسار الإصلاحات الاقتصادية التي يُعوَّل عليها لإعادة ترميم مؤسسات الدولة المنهكة.
إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى مسار قابل للحياة لا يزال مشروطاً بقدرة الأطراف المعنية على تجاوز ثلاث عقبات جوهرية تهدد بإجهاض العملية قبل أن تتبلور.
أولى هذه العقبات تكمن في رفع سقف التوقعات السياسية إلى مستوى غير واقعي؛ فالتعويل على سلام شامل ونهائي في هذه المرحلة لا يعكس طبيعة التوازنات القائمة، بل قد يتحول إلى عبء ينسف المسار برمته.
والأولوية العاجلة ليست الوصول إلى تسوية تاريخية كبرى، بل تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع الانزلاق مجدداً إلى المواجهة، وبناء الحد الأدنى من التنسيق الأمني والعملياتي الذي يسمح بخلق بيئة تفاوضية مستقرة. فالإفراط في الطموح السياسي قبل ترسيخ الاستقرار الميداني لا يؤدي إلا إلى تقويض المسار قبل أن يكتسب الزخم اللازم.
أما العقبة الثانية فتتمثل في اختزال الأزمة في مسألة سلاح حزب الله وحدها، كما لو أن نزع السلاح إجراء تقني يمكن فرضه بمعزل عن إعادة بناء الدولة اللبنانية نفسها.
فهذه المقاربة تتجاهل حقيقة أن معالجة ملف السلاح ليست نقطة انطلاق، بل نتيجة لمسار أوسع يتطلب تعزيز مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الجيش اللبناني، وتمكينها من أداء دورها السيادي كاملاً، وإن أي محاولة لفصل الأمن عن الاقتصاد، أو عزل ملف السلاح عن مسألة استعادة الدولة لقدرتها الاجتماعية والخدمية، ستكون محكومة بالفشل.
العقبة الثالثة ذات طبيعة مفاهيمية وسياسية، وتتمثل في غياب تصور واضح للهدف النهائي من العملية الراهنة؛ فصحيح أن الحديث عن اتفاق سلام كامل لا يزال يصطدم بحساسيات داخلية لبنانية عميقة، لكن ترك العملية بلا أفق سياسي محدد سيحولها إلى مجرد إدارة مؤقتة للأزمة لا أكثر.
والمطلوب هو صياغة إطار انتقالي مبتكر، كإعلان مبادئ أو تفاهم سياسي ينص على إنهاء حالة الصراع بصورة تدريجية، بما يخلق قطيعة رمزية مع منطق المواجهة المستمرة دون فرض تطبيع شامل وفوري.
ومثل هذا الإطار من شأنه أن يمنح القيادة اللبنانية غطاءً سياسياً داخلياً، ويقدم لواشنطن وتل أبيب أساساً واقعياً للبناء عليه. والتجارب الإقليمية تؤكد أن هذا النمط من الترتيبات المرحلية سبق أن شكّل جسراً ضرورياً نحو اتفاقات سلام لاحقة.
ولا يمكن لأي من هذه المسارات أن يصمد من دون انخراط أمريكي فعّال ومستدام.
فالولايات المتحدة تبقى الجهة الوحيدة القادرة على إدارة هذا التوازن الدقيق بين الضغوط الأمنية، والدعم المؤسسي للدولة اللبنانية، والرعاية السياسية للمفاوضات.
وقد استخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ثقله السياسي للإشارة إلى اهتمام أمريكي مباشر، لكن نجاح المرحلة المقبلة يتطلب ما هو أبعد من الإشارات الرمزية؛ يحتاج إلى استراتيجية واضحة المعالم، تتضمن أهدافاً مرحلية قابلة للقياس، وضغطاً دبلوماسياً متواصلاً على الطرفين لضمان التقدم.
في المقابل، يتحمل لبنان مسؤولية لا تقل حساسية. فليس مطلوباً من الحكومة أن تنجز دفعة واحدة معالجة شاملة لكل اختلالاتها البنيوية، لكن المطلوب منها تقديم إشارات عملية وموثوقة تعكس جدية التوجه الجديد. فتعزيز انتشار الجيش، وترسيخ سلطة الدولة في المناطق الحدودية، واتخاذ خطوات تدريجية لبناء الثقة في ملف السلاح، كلها إجراءات كفيلة بإبقاء الدعم الدولي قائماً وتعزيز صدقية المسار التفاوضي.
أما إسرائيل فإن دورها في هذه المرحلة بالغ الحساسية. فاستمرار العمليات العسكرية، خصوصاً في المناطق المأهولة، لا يهدد فقط الاستقرار الميداني، بل يضعف أيضاً القوى اللبنانية الداعمة للمسار السياسي.
وضبط النفس هنا ليس تنازلاً تكتيكياً، بل ضرورة استراتيجية. كما أن اتخاذ خطوات ملموسة لبناء الثقة، مثل إعلان واضح بعدم وجود نيات لفرض وقائع إقليمية دائمة، والانخراط في ترتيبات تشمل تبادل الأسرى أو انسحابات مرحلية مدروسة، يمكن أن يضخ زخماً سياسياً ضرورياً في العملية.
ويظل البعد الاقتصادي عاملاً حاسماً لا يمكن فصله عن المشهد الأمني والسياسي. فلبنان، الغارق في أزماته المالية والاجتماعية، يحتاج إلى أكثر من مساعدات طارئة أو برامج إنقاذ محدودة من صندوق النقد الدولي.
وغياب خطة إنعاش مبكر ومتزامن مع أي تقدم سياسي سيجعل أي تسوية عرضة للانهيار تحت ضغط الشارع، وتفاقم الأزمات المعيشية، واتساع رقعة النزوح وانعدام الأمن الغذائي.
لقد نجحت واشنطن في فتح هذه النافذة الدقيقة، لكن الحفاظ عليها يتوقف على كيفية إدارتها لما هو قادم. فالفرصة الحالية قد تشكل نقطة تحول تاريخية، لكنها ستغلق سريعاً إذا لم تُدعَم بخطوات متزامنة ومدروسة من جميع الأطراف.