الناتو والاتحاد الأوروبي.. «صراع نفوذ» حول صناعة السلاح
خلاف بين الاتحاد الأوروبي و«الناتو»، وصفه مسؤولون بأنه «صراع نفوذ» حول كيفية إدارة خطة إعادة تسليح ضخمة تقدر بنحو تريليون دولار إضافية سنويًا.
وقد عارض الحلف العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة، والذي شكّل أساس الأمن الأوروبي منذ الحرب العالمية الثانية، لفترة طويلة أن تتولى بروكسل صلاحيات دفاعية.
لكن مطالب الرئيس الأمريكي من الحلفاء بزيادة الاستثمار في جيوشهم أجبرت على إعادة صياغة سياسات إنتاج السلاح، وهو مجال تمتلك فيه مؤسسات الاتحاد الأوروبي خبرة أكبر من «الناتو»، بحسب صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية.
وقال أحد المسؤولين: «هناك صراع نفوذ حول سياسة الصناعة الدفاعية. الأمر يتعلق بمن يدير توسيع الإنتاج، وما تأثير ذلك على نوعية الأسلحة التي ستستخدمها أوروبا مستقبلًا».
محاور الخلاف
أحد أبرز محاور الخلاف يتمثل في دور الأسلحة الأمريكية ضمن خطة إعادة التسليح، إذ يعارض الناتو توجه الاتحاد الأوروبي نحو سياسة «اشترِ الأوروبي» ضمن استراتيجيته الصناعية الأوسع.
وقال جوزيبي سباتافورا، الباحث في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية: «يتفق كل من الاتحاد الأوروبي والناتو على ضرورة أن يتولى الأوروبيون زمام الدفاع التقليدي عن القارة، لكنهما يختلفان حول كيفية تحقيق ذلك».
وأضاف أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى «تعزيز التعاون الصناعي الدفاعي داخل أوروبا»، بينما يرى الناتو أن «السياسة الصناعية الدفاعية يجب أن تظل عبر الأطلسي».

ومن المقرر أن تلتقي رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بالأمين العام للناتو مارك روته يوم الخميس، بعد اجتماعها مع ألكسوس غرينكيفيتش، القائد الأعلى لقوات الحلف في أوروبا. وتشير مصادر مطلعة إلى أن السياسة الصناعية ستكون من أبرز الموضوعات على جدول النقاش.
ويرى مسؤولان في الاتحاد الأوروبي أن موقف ترامب تجاه أوروبا، بما في ذلك دعوته للسيطرة على غرينلاند التابعة لدنمارك العضو في الناتو، عزز قناعة المفوضية بأن «الاستقلال الاستراتيجي» في إنتاج السلاح ضروري لتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة. وأضافا أن هناك إحباطًا متزايدًا من روته بسبب مقاومته لهذا التوجه.
وقال أحد المسؤولين: «أصبح من الواضح أننا بحاجة إلى هذه المعدات بسرعة وبكميات كبيرة وبتكلفة فعالة، والطريقة لتحقيق ذلك هي تصنيعها محليًا».
وأضاف: «الناتو يمكنه تحديد ما نحتاجه من أسلحة، لكن عندما يتعلق الأمر بالأدوات التنظيمية والمالية لتحقيق ذلك، فهو لا يملك الكثير ليقدمه».
استياء في الناتو
وقد أثارت مبادرات الاتحاد الأوروبي الأخيرة استياء مسؤولين في «الناتو»، بما في ذلك خطط إنشاء نظام دفاع جوي وصاروخي أوروبي، و«جدار طائرات مسيّرة» للدول الحدودية مع روسيا، وتعزيز الطاقم العسكري المركزي للاتحاد، وهي خطوات يُنظر إليها كجزء من سعي فون دير لاين لجعل إعادة التسلح محورًا لإرثها السياسي.
وقال دبلوماسي في الناتو إن على المفوضية التركيز على مجالات خبرتها: «إبرام صفقات تجارية جيدة والابتعاد عن طريق الأمن عبر الأطلسي».
وكان روته قد أثار غضب مسؤولين أوروبيين في وقت سابق من العام عندما قال إن أوروبا «تحلم» إذا اعتقدت أنها قادرة على حماية نفسها دون الولايات المتحدة، محذرًا من تكرار الجهود الأوروبية خارج إطار الحلف.
كما أعربت شركات الصناعات الدفاعية الأوروبية عن إحباطها من «الاحتكاكات المستمرة» بين الناتو والاتحاد الأوروبي.
وقال كاميل غران، الأمين العام لرابطة صناعات الفضاء والأمن والدفاع في أوروبا: «المسألة يجب أن تركز على كيفية التنظيم للتنفيذ بأسرع وتيرة ممكنة، وصراعات النفوذ لا تساعد».
وأضاف: «في وقت يواجه فيه النظام الدفاعي الأمريكي ضغطًا كبيرًا لتعويض الحرب في إيران، ومع زيادة الإنفاق الأوروبي، يبدو واضحًا أن هناك دورًا لكل من الناتو والاتحاد الأوروبي».
سياسات ومعايير
وتتصاعد حدة الخلاف مع استعداد الناتو لقمة قادته في أنقرة في يوليو/تموز، حيث يسعى الحلف لجعل السياسة الصناعية الدفاعية محورًا رئيسيًا للنقاش.
من جانبهم، يؤكد مسؤولون في الاتحاد الأوروبي رغبتهم في مواءمة سياسات المفوضية مع معايير الناتو وخططه الدفاعية.
وهناك بالفعل مؤشرات على التكامل؛ إذ استثنى الاتحاد الأوروبي العام الماضي الإنفاق الدفاعي من قواعده المالية، لمساعدة الدول الأعضاء على تحقيق هدف جديد للناتو بإنفاق 5% من الناتج المحلي على الدفاع والبنية التحتية المرتبطة به.
كما خصص الاتحاد 150 مليار يورو قروضًا منخفضة الفائدة لتمويل شراء الأسلحة، مع إمكانية استخدامها لشراء أسلحة أمريكية عند عدم توفر بدائل أوروبية.
أما ألمانيا، أكبر دولة إنفاقًا دفاعيًا في الاتحاد الأوروبي، فتتبنى نهجًا وسطيًا؛ إذ ترى ضرورة سد فجوات القدرات مثل الأسلحة بعيدة المدى والاتصالات الفضائية والاستطلاع، لكنها تعارض استبعاد الأنظمة الأمريكية مثل صواريخ باتريوت وطائرات إف 35.
وفي الوقت نفسه، تسعى برلين لضمان استفادة شركاتها من ميزانية دفاعية تبلغ 550 مليار يورو خلال أربع سنوات.
وقد جعل قانون المشتريات الذي أقره البرلمان الألماني في يناير/كانون الثاني من الأسهل استبعاد العروض غير الأوروبية من صفقات الدفاع.
وقال غران: «هناك من يريد تعزيز دور الاتحاد الأوروبي في تطوير القدرات، وفي الوقت نفسه يحاول الناتو لعب دور أكبر في الملفات الصناعية». وختم بالقول: «في النهاية، الدول الأعضاء هي من يقرر أين يُنفق 90% من الأموال».