اليوان تحت المجهر.. عملة الصين تمهد لصعود عالمي جديد أمام الدولار
تشير تقديرات حديثة إلى أن العملة الصينية، اليوان، لا تزال مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية بأكثر من 20% مقابل الدولار الأمريكي.
وتأتى البيانات الصادرة عن مجموعة غولدمان ساكس في وقت يتوقع فيه البنك الاستثماري أن تواصل العملة الآسيوية مسارها الصعودي خلال الأشهر المقبلة، مدفوعة بعوامل اقتصادية هيكلية تتجاوز مجرد التحركات قصيرة الأجل في الأسواق.
ووفقاً لمحللي البنك، فإن قوة الصادرات الصينية والفائض الخارجي الكبير يشيران إلى أن مستويات سعر الصرف الحالية لا تعكس الوضع الحقيقي للاقتصاد الصيني. ويؤكد خبراء أن اليوان لا يزال أقل من مستواه العادل، رغم تحسنه التدريجي في الفترة الأخيرة.
وتوقع هؤلاء أن يشهد العام المقبل إعادة تقييم أوسع لقيمة اليوان في الأسواق العالمية، بما يعكس بشكل أدق الوزن الحقيقي للاقتصاد الصيني في النظام المالي الدولي.
توقعات بالارتفاع التدريجي
وتتوقع المؤسسة المالية أن يصل سعر صرف اليوان إلى 6.80 مقابل الدولار خلال 3 أشهر، ثم إلى 6.70 خلال 6 أشهر، قبل أن يسجل 6.50 خلال عام واحد، مقارنة بتقديرات سابقة كانت أكثر تحفظاً.
ويجري تداول العملة حالياً بالقرب من مستوى 6.80، وهو ما يعكس بداية حركة تصحيحية قد تستمر إذا ما استمرت العوامل الداعمة.
ويرى المحللون أن أحد أبرز المحركات الأساسية لهذا الاتجاه يتمثل في الفائض الخارجي الضخم للصين، والذي يقترب من مستويات غير مسبوقة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.
ويعكس هذا الفائض، بحسب التقرير، قدرة تنافسية عالية للصادرات الصينية، إلى جانب وجود عملة منخفضة القيمة نسبياً، وهو ما يشكل مزيجاً يدفع بطبيعة الحال نحو ارتفاع تدريجي في قيمة اليوان.
وفي مذكرة تحليلية، أوضح البنك أن “تعزيز قيمة العملة ليس مجرد احتمال، بل نتيجة طبيعية لتوازن هذه العوامل”، في إشارة إلى العلاقة بين قوة التجارة الخارجية وسعر الصرف.
ويعزز هذا الطرح الرؤية القائلة بأن تحركات اليوان الحالية ليست مدفوعة فقط بالمضاربات أو التدفقات قصيرة الأجل، بل ترتبط بأساسيات اقتصادية أكثر عمقاً واستدامة.
التوقيت
ويأتي هذا التقييم في وقت يقترب فيه اليوان من أعلى مستوياته أمام الدولار منذ أوائل عام 2023، مدعوماً بعدة عوامل، من بينها تحسن العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، بالإضافة إلى ضعف نسبي في أداء الدولار الأمريكي خلال الفترة الأخيرة.
وفي السياق ذاته، تتفق مؤسسات مالية أخرى في وول ستريت مع هذا التوجه. فقد أشارت جي بي مورغان اسيت مانجمنت إلى أن أي تقدم في العلاقات السياسية بين واشنطن وبكين قد يشكل محفزاً إضافياً لارتفاع العملة الصينية. ولفتت إلى أن القمة، المرتقبة خلال يومين، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والصيني شي جين بينغ قد تلعب دوراً مهماً في هذا الإطار، خاصة إذا أسفرت عن تهدئة التوترات التجارية.
ومع ذلك، يؤكد تقرير غولدمان ساكس أن العوامل السياسية، رغم أهميتها، ليست المحرك الرئيسي لتوقعاته الإيجابية. فالقضية، بحسب البنك، تتعلق بعوامل “أكثر جوهرية وطويلة الأمد”، ترتبط بهيكل الاقتصاد الصيني وقدرته التنافسية العالمية، وليس فقط بنتائج الاجتماعات الدبلوماسية أو التفاهمات المؤقتة.
عوامل دعم إضافية
كما أشار التقرير إلى مؤشرات إضافية تدعم هذا الاتجاه، من بينها قوة تسعير العملة من قبل بنك الشعب الصيني (المركزي)، إلى جانب ارتفاع نسب تحويل عائدات الصادرات إلى العملة المحلية، وهو ما يعكس ثقة متزايدة في استقرار اليوان وإمكانية ارتفاعه.
وتعكس هذه التطورات توجهاً عاماً نحو “ارتفاع تدريجي ولكن مستدام” للعملة الصينية، بدلاً من تحركات حادة أو مفاجئة قد تثير اضطرابات في الأسواق. ويعد هذا النهج متسقاً مع السياسة النقدية الصينية التي تميل إلى الحفاظ على الاستقرار وتجنب التقلبات الكبيرة في سعر الصرف.