قصور وحسابات مصرفية.. «إمبراطورية خفية» لمرشد إيران الجديد
خلف أسوار عالية وبوابات معتمة، تتراءى مجموعة قصور شبه خالية في «صف المليارديرات» شمال لندن لتمنح الشارع واجهة فاخرة.
لكن خلف تلك الواجهة في شارع «بيشوبس أفينيو»، تمتد شبكة من طهران إلى فرانكفورت، مرورا بسويسرا، محملة بأسماء مختلفة لسلسلة من الشركات التي لا وجود قانوني لها.
وعبر تلك اليافطة الوهمية، تعود ملكية العقارات الفاخرة إلى رجل دين إيراني لطالما لازم الظل قبل أن تدفع به التطورات والحرب الراهنة لواجهة الأحداث وتجعل منه مرشدا لإيران خلفا لوالده علي خامنئي.
مجتبى خامنئي الذي لطالما قدمته معظم التقارير الإعلامية على أنه «رجل ظل»، يقفز لصدارة الأحداث بمجرد تعيينه خليفة لوالده الذي قتل عقب غارات إسرائيلية أمريكية باليوم الأول للحرب.
ورغم العقوبات الغربية الصارمة المفروضة على إيران منذ سنوات، كشفت تقارير إعلامية غربية عن شبكة مالية معقدة يُعتقد أنها مرتبطة بمرشد إيران الجديد.
وتشير التحقيقات إلى امتلاكه أصولًا عقارية واستثمارات فاخرة في أوروبا، من بينها عقارات في لندن وفنادق فاخرة وحسابات مصرفية بسويسرا.
وهذه الملكية تجري عبر منظومة من الشركات الوهمية والوسطاء، ما يثير تساؤلات حول كيفية انتقال مليارات الدولارات الإيرانية إلى الأسواق الغربية رغم القيود والعقوبات الدولية، بحسب صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية.
إمبراطورية مالية خفية
وبحسب تحقيق موسع أجرته "بلومبرغ" الأمريكية، يمتلك مجتبى خامنئي، عبر شبكة معقدة من الشركات الوهمية، نحو 12 عقارًا في العاصمة البريطانية لندن، تقدر قيمتها الإجمالية بحوالي 115 مليون يورو.
ومن بين هذه الأصول شقتان فاخرتان في غرب لندن تقدر قيمتهما بأكثر من 50 مليون يورو، وتقعان بالقرب من مبنى شديد الحراسة هو "السفارة الإسرائيلية في لندن".
ولا تمثل هذه العقارات سوى جزء صغير من محفظة استثمارية أوسع تشمل فنادق فاخرة في فرانكفورت وجزر الباليار الإسبانية، إضافة إلى حسابات مصرفية في سويسرا.
وتبدو هذه المعلومات مفاجئة بالنظر إلى حجم العقوبات الغربية المفروضة على طهران منذ عقود بسبب برنامجها النووي وعلاقاتها مع جماعات مسلحة في الشرق الأوسط.
كما أن مجتبى خامنئي نفسه يخضع منذ عام 2019 لعقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية التي اعتبرته ممثلًا رسميًا لوالده مرشد إيران السابق.
شركات وهمية
تفيد التحقيقات بأن الأصول ليست مسجلة باسم خامنئي مباشرة، بل مخفية خلف طبقات متعددة من الشركات الوهمية.
ومع ذلك، تشير مصادر إلى أنه شارك بشكل مباشر في معظم الصفقات ويشرف على شبكة شركات ساعدت في تحويل مليارات الدولارات إلى الأسواق الغربية.
وتأتي هذه الأموال أساسًا من عائدات بيع النفط الإيراني، وقد جرى تحويلها عبر حسابات مصرفية في المملكة المتحدة وسويسرا وليختنشتاين.
ويلعب رجل الأعمال الإيراني علي أنصاري دورًا رئيسيًا في هذه الشبكة المالية، وفق تحقيقات نشرتها وسائل إعلام أمريكية وبريطانية مثل "فايننشيال تايمز" و"تليغراف".
ويعد أنصاري أحد أبرز رجال الأعمال في إيران، حيث اشتهر بصفته مصرفيًا وقطبًا في قطاع العقارات، كما يرتبط اسمه بمشروعات ضخمة مثل مركز التسوق العملاق "إيران مول" وبنك "أيانديه بنك" الذي أعلن إفلاسه عام 2025 وسط اتهامات بالفساد.
وتشير التقارير إلى أن أنصاري كان يتولى استثمار عائدات النفط الإيراني في الخارج بشكل غير مباشر عبر شركات مسجلة في دول ومناطق مختلفة مثل "سانت كيتس" و"نيفيس" في الكاريبي وجزيرة "مان".
في "شارع المليارديرات"
تشمل الأصول العقارية قصورًا فاخرة في شارع "بيشوبس أفينيو" المعروف بلقب "Billionaires’ Row" أو "شارع المليارديرات"، حيث يمتلك أثرياء من العالم ونجوم الفن ورجال الأعمال منازل فاخرة.
ومن بين العقارات التي ارتبطت بهذه الشبكة منازل تحمل أسماء مثل"ذا تاورز" و"أردن كورت جارد" و"جيرسي هاوس" التي اشتريت عام 2014 مقابل 33.7 مليون جنيه إسترليني.
ويقال إن العديد من هذه القصور مهجور اليوم مثل غيرها من عقارات الشارع الفخم.
كما اشترت الشبكة شقتين فاخرتين قرب قصر كنسينغتون في لندن بين عامي 2014 و2016 مقابل 35.8 مليون جنيه إسترليني، فيما كان آخر استثمار معروف لها عام 2017 بشراء شقة بقيمة 8.1 ملايين جنيه إسترليني.
عقوبات وتحقيقات
وظل ارتباط علي أنصاري بالنخبة الدينية الإيرانية مخفيًا لسنوات، خاصة بعد حصوله على جواز سفر قبرصي عام 2016. لكن بعد تحقيقات صحفية كشفت هذه الممتلكات، قررت الحكومة البريطانية فرض عقوبات عليه.
وحظرت لندن سفره إلى المملكة المتحدة وجمّدت أصوله، متهمة إياه بتمويل الحرس الثوري الإيراني وتقديم دعم اقتصادي لأنشطة وصفتها بأنها تهدد أمن بريطانيا أو دول أخرى.
من جانبه، نفى أنصاري -عبر محاميه روجيه غيرسون- أي علاقة مالية مع الحرس الثوري الإيراني أو مع مجتبى خامنئي، معتبرًا أن الاتهامات "مزاعم ضارة وغير مثبتة".
وأكد محاميه أن موكله يعتزم الطعن في قرار العقوبات البريطانية، مطالبًا وسائل الإعلام بعدم تكرار ما وصفه بـ"الاتهامات غير المؤكدة".