انخفاض منسوب الراين.. أحدث تهديد للاقتصادات الأوروبية
مصانع ألمانيا تستخدمه لنقل 200 مليون طن من البضائع والوقود سنويًا
يشهد نهر الراين، أحد أهم الممرات التجارية في أوروبا، انخفاضًا حادًا في منسوب المياه نتيجة موجات الحر والجفاف.
ويبدو أن لذلك تداعيات اقتصادية سلبية تآتي في وقت صعب لدول القارة.
وقال تقرير نشرته صحيفة التليغراف البريطانية إن انخفاض منسوب المياه بنهر الراين يتسبب في تعطيل حركة الشحن النهري وارتفاع تكاليف النقل، في وقت تواجه فيه الصناعات فى القارة بالفعل تحديات تتعلق بارتفاع أسعار الطاقة وتباطؤ الطلب العالمي والمنافسة الصينية.
يُعد نهر الراين أحد أهم أنهار أوروبا. ينبع من جبال الألب السويسرية، ثم يمر عبر عدة دول، إذ يشكّل أجزاءً من الحدود بين سويسرا وليختنشتاين، وسويسرا والنمسا، وسويسرا وألمانيا، كما يشكّل جزءًا كبيرًا من الحدود بين فرنسا وألمانيا. وبعد ذلك يتجه شمالًا عبر غرب ألمانيا، ثم ينعطف غربًا ليدخل هولندا، قبل أن يصب في بحر الشمال. وتبلغ مساحة حوضه المائي نحو 185 ألف كيلومتر مربع.
انخفاض المنسوب
وأظهرت بيانات حديثة أن منسوب المياه عند نقطة "كاوب" الاستراتيجية قرب مدينة فرانكفورت هبط إلى نحو 53 سنتيمترًا، وهو أدنى مستوى يُسجل خلال شهر يوليو/تموز منذ عقود.
وتعد هذه النقطة أحد أهم المؤشرات التي يعتمد عليها قطاع النقل النهري، إذ تبدأ شركات تشغيل الصنادل في تقليص حمولاتها بمجرد انخفاض المنسوب إلى أقل من 80 سنتيمترًا، ما يؤدي تلقائيًا إلى ارتفاع تكلفة نقل البضائع.
ويؤكد خبراء النقل والخدمات اللوجستية أن التوقيت الحالي غير معتاد، إذ يأتي هذا الانخفاض الحاد في بداية موسم الصيف، بينما تعتمد توقعات الأسابيع المقبلة بشكل كامل على معدلات هطول الأمطار. وفي حال استمرار الجفاف، فإن مستويات المياه قد تتراجع إلى مستويات قياسية جديدة، بما يزيد من الضغوط على حركة التجارة.
شريان هام لألمانيا
ويمثل الراين شريانًا اقتصاديًا حيويًا لألمانيا، حيث تنقل عبره المصانع والشركات ما يصل إلى 200 مليون طن من البضائع والوقود سنويًا، تشمل المواد الخام والكيماويات والديزل والبنزين ووقود الطائرات، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة النهرية ينعكس سريعًا على النشاط الصناعي والإنتاج.
ويأتي ذلك في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد الألماني، الذي يعاني من تباطؤ النمو وارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب الضغوط الناجمة عن الواردات الصينية منخفضة الأسعار. ويرى محللون أن استمرار انخفاض منسوب الراين قد يضيف عبئًا جديدًا على القطاع الصناعي الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الألماني.
أزمات سابقة
وتشير التجارب السابقة إلى حجم التأثير المحتمل، ففي أزمة الجفاف التي ضربت الراين عام 2018، تراجع الإنتاج الصناعي الألماني بنسبة 1.5%، وهو ما أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.4%، وفق تقديرات معهد كيل للاقتصاد العالمي.
ورغم أن انخفاض مستويات المياه خلال فصل الصيف يعد ظاهرة موسمية معروفة، فإن التغيرات المناخية جعلت هذه الفترات أكثر حدة وتكرارًا خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت موجات الحر الأوروبية أطول وأكثر شدة، وهو ما حدث أيضًا خلال عام 2022، ثم تكرر بدرجات متفاوتة خلال العام الماضي.
ويعتمد نهر الراين بصورة رئيسية على المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج في جبال الألب، والتي تغذي بحيرة كونستانس الواقعة على الحدود السويسرية الألمانية، ومنها تنبع المياه التي تغذي النهر. إلا أن الشتاء الماضي شهد انخفاضًا في معدلات تساقط الثلوج، ما أدى إلى تراجع المخزون المائي، لتصبح مستويات المياه الحالية مرتبطة بشكل شبه كامل بالأمطار الموسمية.
ومع انخفاض المنسوب، تضطر الصنادل إلى الإبحار بحمولات أقل بكثير من المعتاد حفاظًا على سلامتها.والصنادل هي سفن مسطحة القاع تُستخدم لنقل البضائع الثقيلة أو كبيرة الحجم عبر الأنهار والقنوات والمياه الساحلية الهادئة.
التأثير على حركة النقل
وتشير تقديرات متعاملين في السوق إلى أن بعض السفن تنقل حاليًا ما لا يتجاوز 20% من طاقتها الاستيعابية، وهو ما يعني الحاجة إلى عدد أكبر من الرحلات لنقل الكميات نفسها من البضائع.
هذا التراجع في الكفاءة التشغيلية انعكس سريعًا على أسعار النقل، إذ ارتفعت تكلفة استئجار الصنادل لنقل وقود الديزل من ميناء روتردام الهولندي إلى مدينة كارلسروه الألمانية بنحو 50%، لتتراوح بين 60 و70 يورو للطن، وفق بيانات وسطاء الشحن.
ويحذر متخصصون من أن هذه الزيادة في تكاليف النقل ستؤثر بصورة خاصة على الصناعات الكيميائية وقطاع الطاقة، اللذين يعتمدان بدرجة كبيرة على النقل النهري لتوفير المواد الخام والوقود، بينما قد يكون تأثيرها أقل نسبيًا على بعض المصانع التي تخفض إنتاجها خلال أشهر الصيف.
ويرى مراقبون أن أزمة الراين تعكس بصورة واضحة التداعيات الاقتصادية المتزايدة للتغير المناخي، إذ لم يعد تأثير موجات الحر يقتصر على الزراعة أو استهلاك الكهرباء، بل امتد إلى البنية التحتية التجارية وسلاسل الإمداد، بما يهدد تنافسية أكبر اقتصاد في أوروبا.
ويؤكد الخبراء أن مستقبل الملاحة في الراين خلال الأسابيع المقبلة سيتحدد وفق تطورات الطقس، فإذا شهدت المناطق المغذية للنهر أمطارًا كافية قد تتحسن الأوضاع تدريجيًا، أما إذا استمر الجفاف، فقد تواجه ألمانيا وأوروبا اضطرابات جديدة في حركة التجارة وارتفاعًا إضافيًا في تكاليف النقل والإنتاج، بما يضيف تحديًا جديدًا أمام الاقتصاد الأوروبي في مرحلة تتسم بالفعل بارتفاع مستويات عدم اليقين.

